في الجزأين السابقين من هذا المقال، تناولتُ جملة من الملاحظات والتساؤلات حول طريقة تشكيل المجلس التنسيقي الأعلى بحضرموت، واللجنة التحضيرية، وما رافق ذلك من ملاحظات حول مشاركة المكونات والشخصيات والقوى الحضرمية.
وفي الجزء الثاني، توقفتُ عند ضرورة تصحيح المسار، وتوسيع دائرة المشاركة، وعودة الشيخ عمرو بن حبريش العليي إلى حضرموت لقيادة واستكمال التحضيرات، وفتح الباب أمام كل من لم يشارك، حتى يكون المجلس التنسيقي الأعلى إطارًا جامعًا، وليس مكونًا سياسيًا جديدًا يُضاف إلى المشهد الحضرمي.
وكنتُ قد وعدتُ في ختام الجزء الثاني بأن يكون حديثنا في الجزء التالي من هذه السلسلة حول السؤال: ماذا تريد حضرموت؟ ومن سيحمل هذا المطلب إلى طاولة الحوار؟
وهو موضوع سنعود إليه بالتفصيل في جزء قادم، من خلال الحديث عن الرؤية الحضرمية التي يفترض أن تُطرح، وما الذي يمكن أن نتفق عليه جميعًا بعيدًا عن الخلافات والاستقطابات.
أما في هذا الجزء، فأرى أن هناك سؤالًا آخر يسبق ذلك، ولا يقل أهمية، وهو:
من يمثل حضرموت؟ ومن يملك تفويضها؟
السؤال هنا ليس عن الأشخاص، ولا عن الأسماء التي ستجلس في هذه اللجنة أو تلك، وإنما عن مبدأ التمثيل نفسه.
عندما نقول إن هذا المجلس يمثل حضرموت، فمن الذي قرر ذلك؟
ومن منح المجلس هذا التفويض؟
وهل تم الاتفاق على ذلك بين المكونات الحضرمية؟
وهل توجد وثيقة أو آلية واضحة تحدد طبيعة هذا التفويض وحدوده؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا أعتقد أن طرحها يمكن أن يُفهم على أنه اعتراض على مشاركة أي طرف أو محاولة لإقصاء أحد.
بل على العكس، فإن وضوح مسألة التمثيل يحمي الجميع.
الحضارم المشاركون لا يعني بالضرورة تمثيل حضرموت
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين مهمين:
أن يشارك عدد من أبناء حضرموت في مجلس أو حوار، وأن يكون هؤلاء مفوضين فعلًا بالحديث باسم حضرموت.
فالاثنان ليسا شيئًا واحدًا.
قد يكون الشخص حضرميًا، وله مكانته الاجتماعية أو السياسية، وهذا أمر نحترمه، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنه يمثل جميع أبناء حضرموت، أو أنه يحمل تفويضًا بالحديث باسم مكون أو مديرية أو حضرموت كلها.
والأمر نفسه ينطبق على أي مجلس أو إطار.
وجود عدد من الشخصيات الحضرمية فيه لا يمنحه تلقائيًا صفة تمثيل حضرموت.
فالتمثيل يحتاج إلى تفويض واضح.
ومن أين يأتي التفويض؟
إذا كان المجلس التنسيقي الأعلى سيشارك في الحوار الجنوبي، وسيطرح مطالب حضرموت ورؤيتها السياسية، فإن السؤال الطبيعي هو:
من فوضه؟
هل فوضته المكونات الحضرمية؟
هل فوضته الشخصيات الحضرمية؟
هل فوضته المديريات؟
أم أن المجلس يستمد تفويضه من الأشخاص الذين شاركوا في تشكيله فقط؟
إذا كان الأخير هو الصحيح، فلا مشكلة في أن يكون المجلس إطارًا بين هؤلاء الأشخاص والمكونات، ولكن يجب ألا يقدم نفسه باعتباره ممثلًا لكل حضرموت إلا بعد الحصول على توافق أو تفويض أوسع.
وهنا تكمن أهمية الوضوح.
ماذا عن المكونات التي دعت إلى الحوار؟
وهذه نقطة لا يمكن تجاوزها.
لقد كانت هناك مكونات وشخصيات جنوبية، بينها مكونات حضرمية، تقدمت أصلًا بالدعوة إلى عقد الحوار الجنوبي.
فإذا كانت هذه المكونات جزءًا من الدعوة إلى الحوار، فمن الطبيعي أن يكون لها دور أساسي في تحديد شكل المشاركة الحضرمية فيه.
ولا يعني ذلك أن لها حقًا حصريًا في التمثيل، وإنما يعني أن تجاوزها أو تهميشها، ثم تشكيل إطار يتحدث باسم حضرموت، يحتاج إلى تفسير واضح.
فالمنطق يقول:
من شارك في الدعوة إلى الحوار، يجب أن يكون حاضرًا في التحضير له.
ومن لديه رؤية ومطالب حضرمية، يجب أن يكون شريكًا في صياغة الرؤية التي ستُطرح.
ومن سيذهب إلى الحوار باسم حضرموت، يجب أن يكون حاصلًا على تفويض واضح من الأطراف التي يمثلها.
هذه ليست شروطًا تعجيزية.
إنها أبسط قواعد التمثيل.
وللحديث بقية…
















