الغبار الذي انقشع: عندما تفضح الملامح ما تخفيه الشعارات

كاتب المقال:

بدر محمد باسلمة

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية

تحت غبار المعارك وأصوات الانفجارات، هناك معركة أخرى صامتة تدور خلف الكواليس؛ معركة لا تُخاض بالرصاص بل بالملامح، والهمسات، والقرارات غير المعلنة. في الظهور الأخير لقائد المليشيا ورئيسها، لم تكن الهزيمة بحاجة إلى بيان عسكري ليعلنها؛ بل كانت تقطر من نبرات أصواتهم المبحوحة، وتتفشى في القرارات المرتبكة التي تلت خطابهم لتكشف عن تصدع حاد في جدار الثقة الذي بنوه لسنوات من الوهم.

الإنسان بطبعه يرفع صوته ويلجأ إلى الحدة المفتعلة عندما يشعر بالانكسار والضعف الداخلي. في هذا الخطاب، تلاشت تلك “المسافة الإنسانية” واليقين الذي كان يعتلي وجوههم سابقاً، وحلّ مكانها هلع صامت قُرئ بوضوح في العيون الزائغة، والوقفات المتشنجة، والهروب المستمر نحو التبريرات وإلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية لتغطية الأزمات المعيشية الطاحنة.

بينما كان الخطاب يحاول بيع الوعود القديمة، كانت الواقعية البائسة تصفع الحاضنة الشعبية؛ فالجماهير التي أرهقها الجوع والفقر لم تعد تلتفت لضجيج المنابر، بل أصبحت تتساءل في سرّها: إذا كان هؤلاء القادة لا يملكون حلاً لرغيف الخبز أو لرواتبنا، فعلى ماذا نراهن؟

“بدلاء الظل” والهروب الكبير: الاعتراف الضمني بالنهاية

لم يكد صدى الخطاب المتشنج يتلاشى، حتى جاءت الإجراءات العملية لتطلق رصاصة الرحمة على معنويات أتباعهم. لأول مرة في تاريخ الجماعة، وتحت وطأة الضربات الدقيقة والاختراقات الأمنية التي تنهش حلفاءهم في المنطقة، تسربت القرارات السرية للقيادة باللجوء إلى تعيين “قيادات بديلة” تحسباً لتصفية الصف الأول.

هذا القرار ليس خطوة تنظيمية، بل هو إعلان استسلام نفسي. عندما يبدأ القادة في تجهيز بدائلهم والخوف من الفراغ، فإنهم يرسلون رسالة واضحة لكل مقاتل في الجبهات ولكل مناصر في البيوت: “نحن مخترَقون، ومستهدَفون، ونعلم أن نهايتنا قد اقتربت”. كيف لعقيدة عسكرية أن تصمد وهي ترى رأس الهرم يبني ملجأه الأخير؟

تكتمل صورة الهزيمة النفسية مع الأنباء والتحركات المريبة التي ارتبطت بالطيران الإيراني، والحديث المتزايد عن مغادرة أو تأمين خروج زعيم المليشيا (عبد الملك بدر الدين الحوثي) إلى الخارج. هذه الأنباء نزعت آخر ورقة توت كانت تستر شعارات “الصمود والمواجهة”.

لقد استقر في وجدان الشارع اليوم أن اليمن بالنسبة لهؤلاء القيادات ليست سوى “ساحة حرب مؤقتة” لإثبات الولاء لطهران، وعندما يشتد الخناق وتضيق الأرض، تصبح الطائرة الإيرانية هي الملاذ الآمن، تاركين خلفهم مئات الآلاف من الضحايا يواجهون مصيرهم بمفردهم.

الاصطدام بالجدار الصلب: قوة الشرعية وتماسك الحلفاء

هذا الارتباك الحوثي لم يأتِ من فراغ، بل هو انعكاس مباشر لوعيهم الكامل بتحول ميزان القوى على الأرض. فالمليشيا تدرك تماماً أنها لم تعد تواجه جبهة مفككة، بل تصطدم اليوم بتحول نوعي وتاريخي في تماسك معسكر الشرعية اليمنية.

لقد راهن الحوثي لسنوات على الخلافات البينية داخل معسكر الشرعية ليغذي بقاءه، لكنه يستيقظ اليوم على واقع جديد من التماسك المؤسسي والسياسي، وتوحيد الجهود والصفوف لإعادة بناء الدولة وتفعيل المؤسسات من الداخل. هذا التنظيم المتصاعد سحب من تحت أقدام المليشيا ورقة الابتزاز الإداري والمقارنة الخدمية التي طالما تاجروا بها.

وما يضاعف رعب القيادة الحوثية هو يقينها بصلابة موقف الشركاء الإقليميين والدوليين. فتحالف دعم الشرعية، جنباً إلى جنب مع الشركاء الدوليين من منظمات وهيئات مانحة، أثبت بالتجربة العملية أن التزامه بدعم استقرار اليمن وبناء مؤسساته التنموية والاقتصادية هو خيار استراتيجي لا تراجع عنه. هذا الدعم الذي يترجم يوماً بعد آخر إلى مشاريع ملموسة وودائع اقتصادية، وضع الحاضنة الشعبية للمليشيا أمام مقارنة فاضحة: بين مشروع دولة يبني ويعمر بدعم حلفائه، وبين مشروع مليشياوي لم يصدر من طهران سوا السلاح، والدمار، والخطابات الجوفاء.

إن سحر الوعود قد انتهى، وصناعة الوهم لم تعد تجدي نفعاً أمام جوع الناس من جهة، وأمام الرعب الذي يعتري القيادات من جهة أخرى. إن لجوء الحوثي لـ “قادة البدائل” وبحثه عن طوق نجاة خارجي، بالتزامن مع رؤيته لشرعية قوية، متماسكة، ومدعومة بقوة من شركائها، هو التجسيد الفعلي للهزيمة النفسية التي تسبق الهزيمة العسكرية. لقد سقطت هيبة الكلمات، ولم يتبقَّ لجمهورهم سوى السؤال الكبير والموجع: لماذا نموت في الخنادق من أجل قادة يحزمون حقائبهم في الخفاء؟

 

*وزير الإدارة المحلية

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:

بدر محمد باسلمة

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية