عدن.. من مضيق التجاذبات السياسية إلى رحاب العاصمة والمنطقة الحرة

كاتب المقال:

بدر محمد باسلمة

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية

تواجه محافظة عدن اليوم معضلة بنيوية معقدة؛ فبينما تتقلّد صفة “العاصمة المؤقتة” للبلاد وتتحمل كافة الأعباء السياسية والإدارية والأمنية المرتبطة بهذا الدور السيادي، تفتقر في الواقع إلى الصلاحيات، الموارد، والامتيازات التي تؤهلها للقيام بهذه المهمة.

لقد تحولت المدينة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ودفع مواطنوها الثمن من استقرارهم الخدمي والمعيشي. وللخروج من هذا النفق المظلم، قدمت التوصية التاسعة من البيان الختامي لمؤتمر الشراكة خارطة طريق قانونية وتشريعية واضحة، توصي مجلس الوزراء باتخاذ التدابير لمنح عدن كافة الامتيازات المالية والإدارية والتنموية، وفقاً للأحكام المنظمة لأمانة العاصمة في قانون السلطة المحلية.

إن ترجمة هذه التوصية إلى واقع يقتضي العمل الفوري على مسارين استراتيجيين متلازمين:

أولاً: التمكين الإداري والمالي كـ “عاصمة” (تفعيل التوصية التاسعة)

إن إسقاط أحكام “أمانة العاصمة” على عدن يمثل المدخل القانوني لإنهاء شلل مؤسساتها، ويتطلب ذلك:

الاستقلال المالي والتدوير الإيرادي: لا يمكن إدارة مدينة بحجم وأعباء عدن بموازنة محافظة عادية. منح عدن “الامتيازات المالية” يعني حقها في الاحتفاظ بنسب عادلة من إيراداتها وتدويرها محلياً وتنمية مواردها المحلية لتمويل مشاريع البنية التحتية الحرجة كالكهرباء والمياه، إلى جانب تخصيص موازنة مركزية استثنائية تتواكب مع دورها السيادي الجديد.

كسر قيود المركزية الإدارية: الارتقاء بأداء الوظائف الوطنية لعدن يتطلب مرونة وصلاحيات استثنائية لقيادتها المحلية، تمنحها القدرة على اتخاذ القرار والتنسيق المباشر مع رئيس الحكومة، والاستقلالية في إعادة هيكلة المكاتب التنفيذية والمؤسسات الخدمية بعيداً عن التدخلات المعطلة.

ثانياً: التحييد الاقتصادي وإعلان “المنطقة الحرة”

لقد أثبتت التجارب أن ربط اقتصاد عدن ومعيشة مواطنيها بالمسارات السياسية والعسكرية هو حكم بالإعدام على تطورها. حان الوقت لإعطاء عدن وضعاً خاصاً كـ منطقة اقتصادية حرة ومستقلة، تُحيد تماماً عن الصراعات السياسية:

بيئة تشريعية جاذبة ومحمية: إيجاد لوائح صارمة تحمي الرساميل والمستثمرين المحليين والدوليين، وتضمن أن مشاريعهم بعيدة عن يد الفاعلين السياسيين أو العسكريين.

الامتيازات التنموية وتحديث البنية الحيوية: إعطاء عدن الأولوية المطلقة في المشاريع الاستراتيجية والمخططات الحضرية الشاملة الممولة دولياً ومحلياً، لتحديث مينائها ومطارها الدولي ومناطقها الصناعية، بما يستوعب الضغط السكاني ويعيد للمدينة مكانتها الطبيعية كلاعب محوري ومنافس على خطوط الملاحة والتجارة العالمية.

إن التوصية التاسعة لمؤتمر الشراكة ليست مجرد سطر في بيان ختامي، بل هي مطلب قانوني وسياسي نافذ يملك مجلس الوزراء الصلاحيات الكاملة لتحويله إلى قرارات تنفيذية. إن إنقاذ عدن لا يكمن في الحلول الترقيعية، بل في قرار سياسي شجاع يمنحها شرعيتها القانونية كاملة كعاصمة تملك قرارها ومواردها، ويصون خصوصيتها الاقتصادية كمنطقة حرة؛ فاستقرار عدن وازدهارها هو حجر الزاوية لاستقرار المشهد اليمني والإقليمي برمتّه.

*وزير الإدارة المحلية

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:

بدر محمد باسلمة

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية