غصت القاعة من مدراء العموم والمسؤولين ورفقاء الدرب، واتشحت الوجوه بملامح الفقد، لكن غصة أخرى كانت تسكن قلوب من عرفوا القاص والروائي الكبير صالح باعامر عن قرب.. لم تكن الغصة لمجرد الرحيل، فالموت حق، بل كانت بسبب ذلك التأبين الذي جاء متأخرًا، كاعتذار لم يكتمل لرجل ملأ حياتنا إبداعًا وثراء أدبيًا، بينما عاش في صمت القانعين المترفعين عن الصغائر.
رحل باعامر كما عاش «نظيفًا»، في زمن تلوثت فيه الكثير من القيم.. غادرنا هذا الهرم الأدبي الذي لم يبع قلمه يومًا، ولم يقف بباب سلطان طلبًا لمغنم، بل ظل وفيًا لمشروعه السردي ولأخلاقه التي سبقت إبداعه بمراحل.
لا يمكن للذاكرة الصحفية أن تتجاوز تلك المحطات المضيئة في مسيرة الفقيد. أتذكره جيدًا حين خصّ صحيفة «المسيلة» بعمود صحفي رصين؛ لم يكن يرسله عبر وسيط، بل كان بفيض تواضعه يحمله بنفسه، متجشمًا عناء الحضور إلى مقر الصحيفة، ليتبادل أطراف الحديث بابتسامته الهادئة التي توزع الطمأنينة على المكان.
وفي مشهد آخر يجسد طموح الأديب الذي لا تحده الجغرافيا، أستحضر حين طلب مني طباعة مادة أدبية عبر الكمبيوتر، كان ينوي إرسالها إلى مجلة «العربي» الكويتية؛ تلك المنارة الثقافية التي لا تقبل إلا «الصفوة»، وكان باعامر -بلا شك- واحدًا من هؤلاء الصفوة الذين رفعوا اسم حضرموت والوطن عاليًا في المحافل العربية.
لقد عاش صالح باعامر مظلومًا ، تهميشًا وإقصاءً لا يليقان بمكانته.. أتذكر جيدًا حين قلتها صراحة عبر برنامج «عين على حصرموت» مع الإعلامي عيدروس الخليفي؛ تساءلت يومها بمرارة عن سر استبعاد الكوادر الحضرمية المخلصة من مراكز القرار، وقلت بملء الفم : «ألا يستحق الروائي الكبير صالح باعامر ، منصب وكيل وزارة الثقافة على الأقل؟» ..كان تساؤلًا مشروعًا، ليس طلبًا للمناصب لأجل الوجاهة، بل لأن الوطن الذي لا يمنح دفة قيادته لمبدعيه ومثقفيه، يظل يسير في عتمة التخبط.. لكن الرد كان دائمًا هو «الصمت»، والنتيجة هي «التأبين المتأخر» الذي لا يسمن ولا يغني من جوع بعد أن يواري الثرى أجساد المبدعين.
لقد خسرنا صالح باعامر إنسانًا وأديبًا، ولكن العزاء الوحيد هو أن «النقاء» الذي عاش به سيظل يفوح من بين سطور رواياته وقصصه، شاهدًا على عصر كان فيه باعامر كبيرًا بمواقفه، وعظيمًا بإبداعه، ونبيلًا في صمته وترفعه.
رحم الله أبا ناظم، وأسكنه فسيح جناته، ولا عزاء لمن لا يعرف قدر الكبار إلا بعد فوات الأوان.



















