لم يعد الحديث عن دور قوات الطوارئ اليمنية في حضرموت مجرد استنتاجات سياسية، بل أصبح واقعاً بائسا يلمسه المواطن الحضرمي في أمنه ومعيشته وتنقله. فالتصريحات الرسمية والمذكرات المتبادلة بين شركة النفط والطوارئ، وبيانات نهد والصيعر، وما يجري على الأرض، من مضايقات واعتقالات ومداهمات ليلية وترويع للعوائل وجبابات وفلتان أمني ، كلها تؤكد أن هذه القوة تحولت من مهمة إسناد مؤقتة إلى أداة للتحكم بالبوابة الشمالية لحضرموت والتأثير على مصالحها الحيوية.
لقد دخلت هذه القوات بالتزامن مع عملية تحرير معسكرات حضرموت من قوات الانتقالي القادمة من خارج المحافظة، تحت مبرر الإسناد للقوات الحضرمية. غير أنها لم تغادر بعد انتهاء مهمتها المعلنة، بل رسخت وجودها في معسكر الخشعة وعلى امتداد الطريق الدولي من قعوضة حتى منفذ الوديعة، لتصبح صاحبة نفوذ مباشر على أحد أهم الشرايين الاقتصادية والاستراتيجية لحضرموت، وقطعت إتصال حضرموت المباشر مع المملكة .
وانعكس هذا الوجود على حياة المواطنين من خلال الشكاوى المتكررة بشأن المضايقات والاعتقالات والمداهمات، إضافة إلى الأزمات المرتبطة بحركة المشتقات النفطية والغازية والنقل والتجارة، الأمر الذي فاقم معاناة المواطنين وأثقل كاهل الاقتصاد المحلي.
والأخطر أن استمرار تمركز هذه القوات يمنح مراكز النفوذ خارج حضرموت قدرة على التحكم بحركة المحافظة ومنافذها وعلاقاتها الاقتصادية، بما يحد من قدرة أبنائها على إدارة شؤونهم الأمنية والعسكرية والسياسية بأنفسهم.
إن أبناء حضرموت لا يعادون الدولة ولا يرفضون الشرعية، لكنهم يرفضون أن تتحول محافظتهم إلى ساحة نفوذ لقوى لا تمثلهم، وأن تبقى ثرواتهم ومقدراتهم تحت إدارة الآخرين بينما يُحرمون من حقهم الطبيعي في إدارة أرضهم وحماية مصالحهم.
كما أن الصمت الرسمي والشعبي الحضرمي من السلطة والمكونات ، تجاه هذا الملف يثير القلق، في وقت تحتاج فيه حضرموت إلى موقف موحد من سلطاتها وقياداتها السياسية والقبلية والعسكرية للدفاع عن حقوقها ومصالحها العليا.
وفي المقابل، فإن المملكة العربية السعودية، بصفتها الحليف الاستراتيجي الأهم ، والكفيل الداعم لحضرموت، مطالبة بالمساعدة في تنفيذ التعهدات السابقة المتعلقة بتمكين أبناء حضرموت من إدارة أرضهم وحماية محافظتهم، بما يحقق الأمن والاستقرار ويحفظ المصالح المشتركة.
إن المطلب الحضرمي واضح ومشروع: أن تتولى قوات حضرمية إدارة كامل التراب الحضرمي أمنياً وعسكرياً، وأن يُعاد تموضع أي قوات أخرى من خارجها ، إلى مواقع المواجهة مع الحوثيين، بدلاً من بقائها في مناطق مستقرة وآمنة.
فالتجارب أثبتت أن الأمن الحقيقي يتحقق عندما يكون أبناء المنطقة هم المسؤولين عن حمايتها وإدارة شؤونها. أما استمرار الوصاية العسكرية والسياسية فلن يؤدي إلا إلى تعميق الاحتقان وإطالة أمد الأزمات.
حضرموت لا تبحث عن الصدام ولا تدعو إلى الفوضى، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل أن تبقى رهينة للتهميش والتحكم. وستواصل المطالبة بحقها المشروع في إدارة أرضها وحماية ثرواتها وصناعة قرارها، حتى تكون شريكاً محترماً وصاحب قرار، لا مجرد ساحة نفوذ للآخرين.




















