في ظل الأزمات المتفاقمة التي تعيشها حضرموت، من ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والغاز وانعدام توفرها في كثير من المحطات، إلى الغلاء المتصاعد في أسعار المواد الغذائية والمواصلات ومواد البناء عقب قرار تحرير سعر الدولار الجمركي ، تتزايد حالة السخط الشعبي والاحتقان العام في مختلف مناطق حضرموت.
وقد جاءت هذه المعاناة متزامنة مع استمرار منع وصول البترول والغاز من مأرب بسبب التقطعات القبلية، وسط صمت حكومي وعجز واضح عن معالجة الأوضاع أو التخفيف من معاناة المواطنين، الأمر الذي فاقم الإحساس لدى أبناء حضرموت بأنهم مستهدفون بحرب خدمات وتجويع ممنهجة.
ولم تتوقف حالة الاستياء عند الجانب المعيشي فقط، بل امتدت إلى ما يعتبره كثير من الحضارم استمرارًا لسياسات التهميش والإقصاء، من خلال تدخلات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي ورئيس الوزراء الزنداني في تعيين قيادات شمالية بمواقع مدنية وعسكرية وإدارية داخل حضرموت، على حساب الكفاءات الحضرمية، في تجاوز صارخ لحق أبناء المحافظة في إدارة شؤونهم بأنفسهم.
وفي الجانب الأمني، تصاعدت حالة الاحتقان الشعبي بسبب الممارسات التي تنسب لقوات الطوارئ اليمنية المتمركزة في منطقة الخشعة والنقاط الممتدة من قعوضة حتى الوديعة، وما رافقها من حملات مداهمة واعتقالات وملاحقات طالت عددًا من أبناء نهد والصيعر، إضافة إلى تجاوزات وعمليات تفتيش ليلية أثارت مخاوف الأهالي وروعت النساء والأطفال والعائلات الآمنة.
وفي مقابل حالة الجمود والتماهي التي تعيشها السلطة المحلية وبعض المكونات السياسية والقبلية الحضرمية تجاه هذه التطورات، برز الموقف الحازم لقبائل نهد والصيعر كصوت معبر عن حالة الغضب الشعبي المتصاعدة، وذلك من خلال البلاغ الصادر عن شيخ وحكم نهد الدكتور عبدالرب بن ثابت بتاريخ 25 مايو، وتصريح الشيخ حمد بلحامظ أحد أبرز مقادمة نهد بتاريخ 26 مايو ، وبيان تاييد قبائل الصيعر بيوم ٢٥ مايو .
وقد حملت تلك المواقف رسائل واضحة وحاسمة، أكدت الرفض القاطع لتجاوزات قوات الطوارئ اليمنية، واعتبرت ما يجري من اعتقالات ومداهمات وممارسات غير قانونية انتهاكًا لكرامة المواطنين وحرمة البيوت، كما شددت على ضرورة وضع حد نهائي لهذه التصرفات التي تكررت منذ انتشار تلك القوات في يناير 2026م.
وأكدت مذكرات ومواقف قبائل نهد أن الملف مع قوات الطوارئ قد فُتح ولن يُغلق حتى معالجة كافة التجاوزات السابقة وتحقيق الحقوق المشروعة لأبناء المنطقة، باعتبارها حقوقًا أصيلة لا يمكن التنازل عنها أو استجداؤها من أي طرف.
كما أعلنت قبائل نهد عن عقد لقاء موسع لمقادمتها برئاسة الحكم الدكتور عبدالرب بن ثابت النهدي في منطقة القارة خلال الفترة القادمة، لمناقشة مختلف الانتهاكات والتجاوزات الحاصلة، والتأكيد مجددًا على أن المهام الأمنية والعسكرية في حضرموت يجب أن تُسند لأبنائها، فهم الأقدر على حماية أرضهم والحفاظ على أمنها واستقرارها.
وفي موقف يعكس حجم التلاحم الحضرمي، جاء بيان التأييد القوي الصادر عن قبائل الصيعر بتاريخ 25 مايو دعمًا لموقف قبائل نهد، ليؤكد أن ما يجري لم يعد قضية قبلية أو مناطقية ضيقة، بل أصبح قضية رأي عام حضرمي يرفض التهميش والتدخلات الخارجية وحرب الخدمات والتجويع والإساءة المستمرة بحق حضرموت وأهلها.
وقد شكلت هذه التحركات، إلى جانب موجة التضامن الواسعة من النخب الحضرمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حالة غليان شعبي ورفض متصاعد لسياسات التهميش والاستخفاف بحقوق حضرموت، ورسالة واضحة للرئاسة والحكومة اليمنية بأن مرحلة الصمت قد انتهت، وأن حضرموت بدأت تستعيد زمام المبادرة للدفاع عن حقوقها وكرامتها وهويتها السياسية.
إن ما تشهده حضرموت اليوم ليس مجرد رد فعل عابر على أزمة خدمات أو تجاوز أمني، بل هو تعبير عن تراكم طويل من الإقصاء والتهميش ومحاولات فرض الوصاية عليها، وهي حالة مرشحة للتصاعد ما لم تتم معالجة جذور المشكلة واحترام إرادة أبناء حضرموت وحقهم في إدارة شؤون محافظتهم بعيدًا عن الهيمنة والتبعية.
لقد شقت حضرموت طريقها نحو استعادة قرارها السياسي الميتقل، وترسيخ مكانتها كطرف فاعل وشريك رئيسي في المعادلة الوطنية، بندية كاملة مع صنعاء وعدن، ولن تتوقف هذه المسيرة حتى تنتزع كامل حقوقها السياسية والإدارية والاقتصادية والعسكرية ، وفي مقدمتها حقها في تقرير مصيرها وصون كرامة شعبها وهويتها التاريخية.




















