في الوقت الذي يجري فيه – بكل صفاقة واستفزاز – الإعلان عن تسجيل آلاف المجندين من أبناء الشمال في ما يسمى قوات الطوارئ اليمنية بمرتبات تُدفع بالريال السعودي،و فيما تتحرك عشرات الحافلات يومياً لنقلهم إلى مقر هذه القوات في معسكر الخشعة داخل حدود حضرموت، يقف أبناء حضرموت أمام مشهد بالغ القسوة والمرارة: تهميش ممنهج يطال جنودهم وقواتهم التي صنعت الأمن والاستقرار في أرضهم.
ففي الوقت الذي تُفتح فيه الأبواب على مصاريعها لتجنيد الآلاف من خارج حضرموت،برعاية العلبمي الشمالي والأنتقالي الجنوبي ، لا يزال آلاف الجنود الحضارم في النخبة الحضرمية يعانون من ظلم صارخ منذ أكثر من ست سنوات.
هؤلاء الجنود الذين يتقاضى كثير منهم راتباً يمنياً لا يتجاوز ستين ألف ريال، لم يحصلوا حتى اليوم على الحافز السعودي الذي يتقاضاه نظراؤهم من القوات الأخرى، سواء من القوات الجنوبية التابعة للانتقالي أو من القوات الشمالية في مأرب والساحل الغربي أو حتى من المجندين الجدد في تشكيلات الطوارئ ودرع الوطن.
إننا نتحدث عن أكثر من خمسة عشر ألف جندي حضرمي خاضوا معارك ضارية منذ عام 2016م ضد الإرهاب وعصابات المخدرات والجريمة المنظمة.
سقط منهم شهداء وجرحى، وقدموا تضحيات جسيمة من أجل أن تبقى المكلا وساحل حضرموت والهضبة وأجزاء واسعة من الوادي نموذجاً للأمن والاستقرار مقارنة بما تشهده مناطق محررة كثيرة من الفوضى والانفلات.
لقد صنعت النخبة الحضرمية الأمن بدماء أبنائها، لكنهم اليوم يقفون أمام مفارقة مؤلمة:
التضحية كانت حضرمية، أما الامتيازات فذهبت لغيرهم من الجنوبيين والشماليين.
وخلال هذه السنوات تعاقبت القيادات المدنية والعسكرية في حضرموت، من محافظين وقادة عسكريين ومسؤولين في الدولة، إمثال (بن بريك والبحسني وبن ماضي وبارجاش)وكلهم كانوا يدركون جيداً حجم المأساة ، التي يعيشها هؤلاء الجنود. ومع ذلك لم يتحول هذا الإدراك إلى موقف قوي أو معركة سياسية حقيقية لانتزاع حقوقهم.
والأكثر إيلاماً أن هذا التهميش يجري تحت أنظار السلطة المحلية وقيادات الجيش وأعضاء البرلمان والشورى، بل وحتى قيادات المكونات الحضرمية المختلفة، من الجامع والحلف والمرجعية الوطنية وغيرها، وكأن القضية لا تعنيهم، وكأن صرخات هؤلاء الجنود لا تستحق أن تُسمع.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن تفسيره إلا بوصفه اختلالاً خطيراً في ميزان العدالة داخل حضرموت.
فبينما حظيت قوى أخرى بالدعم والتطوير والتوسع، ظلت القوات الحضرمية – التي تحملت عبء حماية الأرض – تعاني من الإهمال والتجاهل.
كما أن هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة السياسات التي تتبعها أطراف التحالف في إدارة الملف العسكري في حضرموت.
ففي الوقت الذي قدمت فيه دولة الإمارات دعماً واسعاً لتشكيلات جنوبية مختلفة، وفتحت المملكة العربية السعودية باب الدعم لقوات شمالية وأخرى جديدة، بقيت الغالبية الساحقة من جنود حضرموت خارج هذا الاهتمام.
وبين هذا وذاك ضاعت حقوق أبناء حضرموت…
وكأن حضرموت، بكل تاريخها وتضحياتها، أصبحت الحلقة الأضعف في معادلة الدعم والاهتمام.
إن خطاب وزير الدفاع السعودي عشية تسليم المعسكرات في مطلع يناير 2026م كان واضحاً وصريحاً حين أكد أن المعسكرات ينبغي أن تكون بيد أبناء حضرموت.
لكن ما يجري اليوم في الخشعة يطرح سؤالاً صريحاً:
من الذي يعبث بهذا التوجيه؟
ومن الذي يحاول تشويه الموقف السعودي أمام أبناء حضرموت؟
إن الشعب الحضرمي ينظر إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها عمقه التاريخي وشقيقه الأقرب وحليفه الطبيعي، وهو يدرك أن المملكة لا يمكن أن تقبل بظلم أبناء حضرموت أو تهميشهم في أرضهم. ولذلك فإن الواجب اليوم يفرض كشف كل من يحاول الالتفاف على هذه التوجيهات أو استغلال اسم المملكة لتمرير سياسات تضر بحضرموت وأبنائها
لقد آن الأوان لكسر جدار الصمت،
وأن تتحمل السلطة المحلية وقيادات الجيش وأعضاء البرلمان والشورى والوزراء وقيادات المكونات الحضرمية مسؤولياتهم التاريخية.
فحقوق هؤلاء الجنود ليست قضية مالية فحسب، بل قضية كرامة وعدالة واعتراف بالتضحيات.
إن أقل ما يستحقه هؤلاء الأبطال هو:
– صرف الحافز السعودي المتأخر أسوة ببقية القوات.
– تسوية أوضاعهم المالية والعسكرية بشكل عادل.
– تطوير قدراتهم القتالية وتسليحهم بما يليق بالدور الذي يؤدونه.
– وقف أي عمليات تجنيد خارجية داخل أرض حضرموت قبل إنصاف أبنائها.
وإن لم تتحرك القيادات الرسمية لانتزاع هذه الحقوق، فإن من حق المجتمع الحضرمي – بكل قواه ونخبه وقبائله وأعيانه – أن يرفع صوته عالياً دفاعاً عن أبنائه.
فالحملات الإعلامية، والوقفات الجماهيرية، والضغط الشعبي السلمي، وحتى القطاعات القبلية ، كلها وسائل مشروعة لانتزاع الحقوق عندما تُغلق الأبواب الأخرى.
إن حضرموت التي قدّم أبناؤها الدم من أجل أمنها، لن تقبل أن يتحول جنودها إلى مقاتلين بلا حقوق في أرضهم.
وإن كرامة الجندي الحضرمي ليست قضية تخصه وحده، بل هي قضية كل بيت حضرمي.
فمن لا ينصف جنود حضرموت اليوم…
لن يكون قادراً على حماية مستقبلها .



















