دخلت حضرموت مرحلة دقيقة من إعادة ترتيب الأوضاع وتثبيت دعائم الأمن واستعادة هيبة الدولة ، في أعقاب الانتصار الحضرمي في الثالث من يناير 2026م، بعد دحر قطعان الغزاة التي اجتاحت حضرموت مطلع ديسمبر 2025م . وبينما كانت المؤسسات تُعيد تنظيم صفوفها، والأجهزة تعالج ارتباكات ما بعد المعركة، برزت قضية مؤلمة هزّت الضمير الحضرمي: تأخر مرتبات أبطال حراسة السجن المركزي بالمكلا لأكثر من شهرين، تزامن ذلك مع الشهر الفضيل وحاجة أسرهم الماسّة للقوت الكريم.
ففي ذروة الفوضى التي أعقبت المعارك، ومع انكشاف كثير من المواقع العسكرية والمقرات الحكومية، وتعرضها للنهب والسلب ، بقي رجال النخبة الحضرمية المرابطون في السجن المركزي بالمكلا في مواقعهم. لم يتراجعوا، ولم يساوموا، ولم يسمحوا للفوضى أن تتسلل عبر بوابة السجن.
كانوا يدركون أن خلف تلك الأسوار مئات من أصحاب السوابق، وعناصر من عصابات المخدرات والإرهاب وقطاع الطرق، وأن أي انهيار يعني كارثة أمنية ستغرق حضرموت في دوامة عنف وثارات لا تنتهي. حاولت جموع العبث الاقتراب والاقتحام، لكنهم تصدوا بثبات، ممسكين بزناد بنادقهم دفاعًا عن أمن المجتمع ونظام الدولة.
لقد حموا السجن في وقت الشدة… وحموا معه السكينة العامة.
لكن المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الأبطال، الذين صانوا الأمن ومنعوا الانفلات، وجدوا أنفسهم بعد المعركة يواجهون تحديًا من نوع آخر: انقطاع مرتباتهم لشهرين كاملين.
فالجندي لا يملك مصدر دخل بديل. والتزامه العسكري يمنعه من البحث عن عمل إضافي. وأسرته تعتمد كليًا على راتبه الشهري. ومع حلول رمضان، تضاعفت الأعباء، واشتدت الحاجة، بينما ظل الراتب معلقًا في دوامة الإجراءات والارتباكات الإدارية.
كان ذلك اختبارًا قاسيًا لوفاء المجتمع تجاه رجاله.
لكن ضمير حضرموت تحرك بقوة و لم تخذل أبناءها. فقد تداعت النخب الحضرمية بكل أطيافها لطرح القضية بقوة ووضوح. وكان لكتابات المهندس لطفي بن سعدون والدكتور خالد باوزير، التي سلطت الضوء على المعاناة، دور بارز في إبراز التحدي ووضعه أمام الرأي العام.
كما كان لتجاوب وكيل حضرموت الخلوق الأستاذ حسن الجيلاني، ومتابعته الدؤوبة مع عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت الدكتور سالم الخنبشي، ومع قيادة المنطقة العسكرية الثانية بقيادة اللواء محمد اليميني، ومع دول التحالف، الأثر الحاسم في تسريع المعالجة.
جهود متواصلة، واتصالات مكثفة، وتحرك مسؤول… أثمرت أخيرًا عن إطلاق المرتبات واستلامها في الثالث من مارس 2026م، لتعود البسمة إلى وجوه أسر طال انتظارها.
فكل الشكرٌ لمن أنصف… والوفاءٌ لمن صمد.
وباسم أبطال السجن المركزي بالمكلا، نتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى قيادة التحالف، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وإلى عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت الدكتور سالم الخنبشي، وإلى اللواء محمد عمر اليميني قائد المنطقة العسكرية الثانية، وإلى الوكيل حسن الجيلاني، وإلى رجل الخير المنصب أبوبكر بن سعيد باوزير، وإلى الدكتور خالد باوزير والمهندس لطفي بن سعدون، ولكل من تضامن بالكلمة الصادقة والموقف المشرف.
لقد أثبتم أن حضرموت لا تنسى رجالها… وأن الصوت حين يرتفع بالحق يجد من يستجيب.
والدرس الأهم من هذا التحدي، هو أن
هذه القضية لم تكن مجرد تأخر راتب، بل كانت اختبارًا لعلاقة المجتمع برجاله، ولمدى تقديرنا لمن يحمون أمننا في أحلك الظروف. وقد نجحت حضرموت – قيادةً ونخبةً ومجتمعًا – في تحويل التحدي إلى رسالة وحدة وتكافل.
تحية إجلال لأبطال السجن المركزي…
صمدوا حين تراجع الآخرون،
وثبتوا حين تزلزلت المواقع،
واستحقوا الإنصاف… فنالوه.




















