ليست حضرموت مجرد مساحة على الخريطة أو وحدة إدارية يمكن اختزالها في حدود رسمها القرار السياسي ، بل هي كيان تاريخي متجذر ، وهوية إنسانية وثقافية واقتصادية تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري والانفتاح على العالم أرضها الواسعة، وثرواتها المتنوعة ، وإنسانها المعروف بالكفاءة والانضباط والقدرة على البناء، كلها عناصر تجعل من حضرموت أكثر من جغرافي تجعلها مشروع كيان مكتمل الملامح.
هذا الإدراك المتنامي في الوعي الحضرمي أعاد تعريف القضية من كونها مطالب خدمية أو إدارية إلى كونها حقًا سياسيًا أصيلً ا، يتمثل في امتلاك القرار، وحماية المصالح، وبناء كيان يعبر عن الإرادة الحرة لأبناء حضرموت فالشعوب التي تمتلك مقومات الدولة لا تقف طويلًا عند حدود الإدارة المحلية ، بل تتطلع بطبيعتها إلى صيغة حكم تضمن لها الكرامة والاستقرار والسيادة على مواردها.
الخيار الذي يراه كثير من الحضارم اليوم ليس خيار مواجهة أو قطيعة، بل خيار بناء دولة حضرموت المدنية الحديثة دولة آمنة مستقرة، تدير شؤونها بمؤسسات فاعلة ، وتؤسس علاقاتها الخارجية على مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل، بعيدًا عن منطق الوصاية أو الإقصاء أو الهيمنة ،هو مشروع دولة يسعى إلى الاستقرار لا الاضطراب، وإلى الشراكة لا الصراع، وإلى التنمية لا الاستنزاف.
هذا الطرح لا يولد من فراغ، بل يستند إلى خصوصية حضرموت الجغرافية التي منحتها تميزًا استراتيجيًا، وإلى دورها الاقتصادي المحوري عبر التاريخ وحتى اليوم، فضلًا عن تراكم طويل من الشعور بالتهميش ومصادرة القرار وعدم تمكين أبنائها من إدارة شؤونهم بأنفسهم ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشعور من تذمر صامت إلى وعي سياسي منظم يرى أن الحل لا يكمن في الترقيع ، بل في إعادة صياغة العلاقة بين الأرض والسلطة على أسس عادلة وواضحة.
ومع ذلك، فإن الخطاب الحضرمي، رغم وضوح طموحه، لا يتجاهل تعقيدات الواقع السياسي وموازين القوى في المرحلة الراهنة لذلك يطرح مشروع الإقليم بوصفه مرحلة انتقالية ممكنة، لا سقفًا نهائيًا ،إقليم حضرموت القائد، بصلاحيات سيادية كاملة على الأرض والثروة والأمن والإدارة، مع ضمانات دستورية صريحة، يُنظر إليه كصيغة مرحلية تحفظ الحقوق وتؤسس لمرحلة قادمة يمكن فيها مراجعة أي تسوية وفق إرادة أبناء حضرموت الحرة.
في هذا السياق، لا تُقدَّم حضرموت كطرف يسعى إلى صراع أو تفكيك، بل ككيان يطالب بحقه دون أن يهدد حق غيره الخطاب الحضرمي يؤكد أنه لا يستهدف زعزعة الاستقرار، بل يرى أن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بالقوة ولا يُدار بالوصاية ، وإنما يُبنى على احترام إرادة الشعوب ومنح كل كيان حقه العادل في إدارة نفسه وتمثيله العادل في اي تسوية سياسية فحين يشعر الإنسان أن قراره بيده، تتحول الأرض إلى مساحة بناء، لا ساحة نزاع.
إن جوهر المشروع الحضرمي يقوم على معادلة واضحة الدولة هي الأصل لأنها التعبير الكامل عن السيادة والهوية، أما الإقليم فمرحلة تفرضها الظروف السياسية وقد تُمهد لطريق أوسع في المستقبل. وبين الأصل والمرحلة، يبقى الثابت أن حضرموت لم تعد تنظر إلى نفسها كطرف تابع، بل كفاعل رئيسي يمتلك التاريخ والمقومات والإرادة
وهكذا، فإن قضية حضرموت لم تعد مجرد نقاش سياسي عابر، بل تحولت إلى رؤية متكاملة لمستقبل يرى فيه الحضارم أنفسهم شركاء كاملين في صناعة مصيرهم، مؤمنين أن الكيانات المستقرة تُبنى على العدالة، وأن السلام الحقيقي يبدأ حين يُعترف بالحقوق، لا حين يتم تجاوزها.



















