المناكفة السياسية وأثرها على الوعي الاستراتيجي في اليمن

كاتب المقال:
سامح باحجاج

سامح باحجاج

صحفي وكاتب حضرمي - مدير شبكة مبادرة مواطن

في هذه اللحظات التاريخية الحساسة ، تحتاج الشعوب إلى وضوح الرؤية أكثر من حاجتها إلى ارتفاع الأصوات غير أن الواقع اليمني خلال السنوات الأخيرة كشف عن تصاعد لظاهرة المناكفة السياسية، حيث تطغى الخصومات الضيقة وردود الفعل الانفعالية على لغة التخطيط والرؤية بعيدة المدى هذه الحالة لا تُضعف الأداء السياسي فحسب ، بل تمتد آثارها لتصيب الوعي الاستراتيجي للمجتمع والدولة على حد سواء .

إن المناكفة السياسية تقوم على مبدأ تسجيل النقاط ضد الخصوم ، لا على مبدأ بناء الحلول في هذا المناخ، وتتحول القضايا الوطنية الكبرى — كشكل الدولة والأمن، والاقتصاد، والخدمات، وبناء المؤسسات — إلى أدوات للمزايدة، بدلاً من أن تكون مساحات للعمل المشترك ومع مرور الوقت، يفقد الخطاب العام قدرته على التمييز بين ما هو تكتيكي مرحلي وما هو استراتيجي مصيري، فتضيع الأولويات وتتشوش البوصلة الوطنية.

ان اليمن، بحكم موقعه الجغرافي وثقله الديموغرافي وتاريخه السياسي العريق، لا يحتمل هذا الترف السلبي فالدول التي تعيش أوضاعاً انتقالية أو نزاعات ممتدة تحتاج إلى نخب سياسية تمتلك وعياً استراتيجياً عالياً، قادراً على قراءة التحولات الإقليمية والدولية، وفهم موازين القوى، واستشراف المخاطر والفرص حتى لاتخرج من المشهد بالكامل بسبب مواقف واصصطفافات غير مدروسة تفرضها اللحظة.

لكن حين تنشغل هذه النخب في صراعات إعلامية ومناكفات شخصية، فإنها تستهلك طاقتها في معارك صغيرة، وتترك المعركة الكبرى — معركة بناء الدولة — دون قيادة حقيقية.

إن أحد أخطر آثار المناكفة السياسية هو تشويه وعي الشارع فالجمهور يتلقى رسائل متناقضة وغير واضحه ، مليئة بالتخوين والتشكيك ، مما يضعف ثقته بالجميع، وعندما تتساوى في نظر المواطن كل الأطراف في مستوى الاتهام والفشل، يتراجع الإيمان بالعمل العام ذاته ، هذا الفراغ في الثقة يفتح الباب أمام اللامبالاة، أو الارتهان للخطابات المتطرفة ، وكلاهما يهدد أي مشروع وطني جامع .

كما تؤدي المناكفات السياسية إلى تعطيل بناء المؤسسات فبدلاً من دعم الكفاءات وتمكين الأجهزة الإدارية من العمل باستقلالية ومهنية ، يتم التعامل مع المؤسسات كغنائم سياسية أو ساحات نفوذ فيغيب التخطيط المؤسسي طويل الأمد، وتحل محله قرارات آنية مرتبطة بتوازنات اللحظة، وبهذا الشكل، تُستنزف الدولة من الداخل ، حتى في الفترات التي تغيب فيها المواجهات العسكرية.

لهذا نقول إن الوعي الاستراتيجي يعني القدرة على النظر إلى ما وراء اللحظة الراهنة، وربط القرارات اليومية بالمستقبل الوطني لكنه يحتاج إلى بيئة سياسية ناضجة، تعترف بالاختلاف دون أن تحوله إلى عداوة وجودية، وتفصل بين التنافس المشروع على السلطة، والمسؤولية المشتركة تجاه بقاء الدولة واستقرار المجتمع في اليمن، ما زالت هذه المعادلة مختلة ، حيث يُنظر إلى أي نجاح لطرف ما كخسارة للطرف الآخر، حتى لو كان النجاح في ملف خدمي أو إنساني يهم المواطنين جميعاً.

ولهذا يجب الخروج من دائرة المناكفة وهذا لا يعني إنهاء الخلافات، فالتعددية سنة سياسية صحية وطبيعية، لكن المطلوب هو الارتقاء بطريقة إدارة الخلاف أي الانتقال من منطق “إسقاط الخصم” إلى منطق “إدارة التنافس”، ومن ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الفعل المبني على رؤية كما يتطلب الأمر دوراً أكبر للنخب السياسية والفكرية والإعلامية في إعادة توجيه النقاش العام نحو القضايا الجوهرية والاساسية، وتعزيز ثقافة التفكير الاستراتيجي لدى الجمهور، لا تغذية الانقسام.

اليمن اليوم بحاجة إلى خطاب يربط الحاضر بالمستقبل ، ويُذكّر الجميع بأن الأوطان لا تُدار بروح المناكفة، بل بعقل الدولة، فحين يرتفع منسوب الوعي الاستراتيجي، تتراجع الصراعات الصغيرة تلقائياً أمام حجم التحديات الكبرى أما إذا استمرت المناكفات في قيادة المشهد ، فإن الخسارة لن تكون لطرف دون آخر، بل للوطن بأكمله وهذا مايجب توخي الحذر منه حتى لانتراجع سنوات الى الخلف .

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:
سامح باحجاج

سامح باحجاج

صحفي وكاتب حضرمي - مدير شبكة مبادرة مواطن