الرقمنة الحكومية ..حين تصبح التقنية طريقا لإنقاذ اليمن

كاتب المقال:
سامح باحجاج

سامح باحجاج

صحفي وكاتب حضرمي - مدير شبكة مبادرة مواطن

من خلال متابعاتنا المستمرة لتحديثات العالم والدول وفي زمن تتسابق فيه الدول نحو الحكومات الذكية والخدمات الرقمية ، لم يعد التحول إلى الرقمنة خياراً ترفيهيا أو مشروعاً شكلياً، بل أصبح ضرورة وجودية للدول التي تسعى للبقاء فاعلة وقادرة على خدمة مواطنيها بكفاءة واليمن بما يواجهه من تحديات إدارية واقتصادية وخدمية ، يُعد من أكثر البلدان احتياجاً لهذا التحول ، ليس فقط لتحسين الأداء الحكومي وحسب ، بل لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

وهنا نقول إن الرقمنة الحكومية تعني ببساطة نقل المعاملات والإجراءات من عالم الورق والروتين المعقد إلى أنظمة إلكترونية مترابطة وسهله ، تُنجز فيها الخدمة بسرعة ووضوح وشفافية ،هذا التحول لا يغيّر شكل المعاملة فقط ، بل يغيّر فلسفة العمل الحكومي نفسها، من إدارة تعتمد على الأشخاص والعلاقات إلى إدارة تعتمد على النظام والقانون والبيانات.

إن أحد أبرز مكاسب الرقمنة في اليمن يتمثل في الحد من الفساد الإداري ، الذي تغذّيه عادة الفوضى الورقية ، وتعدد النوافذ، وغياب التتبع الواضح للإجراءات ، عندما تصبح المعاملة إلكترونية ومسجلة في نظام يمكن مراجعته ومراقبته، تقل فرص التلاعب، وتضيق مساحات الرشوة والمحسوبية، ويصبح الموظف ملتزماً بالمسار النظامي للعمل.

التقنية هنا لا تلغي الفساد بالكامل ، لكنها تقلصه وتجعله أكثر صعوبة وأعلى كلفة على من يحاول ممارسته.

كما أن الرقمنة تخفف معاناة المواطن بشكل مباشر، خاصة في بلد تتباعد فيه المدن والقرى وتضعف فيه وسائل النقل والخدمات.

المواطن اليوم الذي كان يضطر للسفر ساعات أو أيام لاستخراج وثيقة أو إنهاء معاملة، يمكنه في ظل نظام رقمي أن يقدّم طلبه إلكترونياً ويتابع معاملته دون عناء التنقل والانتظار.

هذا التغيير لا يوفّر الوقت والمال فحسب ، بل يعيد للمواطن إحساسه بالكرامة، حين يحصل على خدمته كحق لا كمنّة ويبعد مظاهر الازدحام على الخدمات .

وعلى مستوى مؤسسات الدولة ، تمثل الرقمنة نقلة نوعية في الكفاءة فالأنظمة الإلكترونية تحفظ البيانات بدقة، وتتيح الوصول إليها بسرعة، وتقلل الأخطاء الناتجة عن الإدخال اليدوي أو ضياع الملفات، كما تمكّن القيادات من الاطلاع على تقارير فورية وإحصاءات دقيقة تساعد في اتخاذ قرارات مبنية على معلومات حقيقية لا تقديرات عشوائية ،الدولة التي تملك بيانات واضحة عن سكانها ومواردها واحتياجاتها، تكون أقدر على التخطيط وتوجيه الإنفاق حيث يجب ولهذا نحن بحاجه الى تفعيل مراكز الاحصاء وانظمة المعلومات باليمن .

اقتصادياً يشكل التحول الرقمي رسالة طمأنة للمستثمرين فبيئة الأعمال التي تُنجز فيها التراخيص والسجلات والضرائب عبر أنظمة واضحة وسريعة، تكون أكثر جذبا من بيئة يغلب عليها التعقيد والغموض تسهيل الإجراءات لا يعني فقط راحة المستثمر ، بل يعني فرص عمل جديدة، وحركة اقتصادية أنشط، وإيرادات أكثر انتظاما للدولة.

ورغم كل هذه الفوائد، فإن الطريق نحو الرقمنة في اليمن ليس خالياً من التحديات فضعف البنية التحتية للكهرباء والإنترنت، ونقص الكوادر التقنية المؤهلة ، ومقاومة بعض الإدارات للتغيير ، كلها عقبات واقعية لكن التجارب العالمية تثبت أن التحول الرقمي لا يشترط الكمال منذ البداية ، بل يمكن أن يبدأ تدريجيا، بقطاعات محددة ذات أثر مباشر على الناس وإطلاق تطبيقات الكترونية سهله وميسرة للمواطنين ، مع الاستثمار في التدريب وبناء القدرات وتحديث التشريعات لحماية البيانات وضمان أمن المعلومات.

وهنا ندعوا رئيس الحكومة الدكتور شائنع الزنداني الى تبني هذا التوجه نحو الرقمنة وتفعيله في جميع المحافظات المحررة ونجزم ان النجاح في هذا المسار سيعني أكثر من مجرد خدمات إلكترونية، سيعني انتقال اليمن نحو نموذج دولة مؤسسات حقيقية، تكون فيها الأنظمة هي المرجع، والبيانات هي الأساس، والمواطن هو محور الخدمة، الرقمنة ليست حلا سحريا لكل المشكلات، لكنها أداة قوية لإعادة ترتيب البيت الإداري، وتقليل الهدر، وتعزيز الشفافية، وفتح نافذة أمل نحو مستقبل أكثر استقرارا وكفاءة.

حين تنجح اليمن في بناء حكومة رقمية، فإنها لا تواكب العالم فحسب، بل تضع قدمها على طريق التعافي، وتؤسس لمرحلة تكون فيها الدولة أقرب إلى الناس، وأقدر على خدمتهم بعدل ووضوح وفي بلد أنهكته الأزمات، قد تكون الرقمنة واحدة من أكثر الخطوات هدوءاً ومواكبة للتطورات لكنها الأعمق أثرا على المدى البعيد.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:
سامح باحجاج

سامح باحجاج

صحفي وكاتب حضرمي - مدير شبكة مبادرة مواطن