ليست كل الدعوات الاستثمارية بداية تحول، كما أن ليست كل اللحظات التاريخية قابلة للولادة. فبين الرغبة والقدرة، وبين الحلم والبنية المؤسسية، تقف الأمم على حافة أسئلة مصيرية: هل نحن أمام مشروع يولد فعلاً، أم مجرد خطاب ينتظر من يمنحه الشرعية والراعي والزمان؟
في زمنٍ لم تعد فيه الدعوات الاستثمارية وحدها كافية لصناعة التحول الاقتصادي، جاءت مشاركة فخامة الأخ عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت الأستاذ / سالم أحمد الخنبشي في تجمع استثماري حضرمي- سعودي في الرياض، حاملة رسالة إيجابية تعكس رغبة حقيقية في استنهاض الطاقات الحضرمية وتوجيه رؤوس الأموال نحو الداخل، عبر وعود بالدعم وتسهيل الإجراءات وتهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمار.
هذه الدعوة، في جوهرها، تعبّر عن إدراك لأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه المستثمر الحضرمي، خصوصاً أولئك الذين راكموا خبرات وتجارب نجاح خارج حدود الجغرافيا، وباتوا يمثلون قوة اقتصادية كامنة قادرة على دفع عجلة التنمية إذا ما توفرت البيئة المؤسسية المناسبة،
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن أدوات العصر تغيّرت.
ففي مراحل سابقة، كانت الدعوات الرسمية للاستثمار تمثل إعلاناً سياسياً للانتقال من نموذج اقتصادي إلى آخر، خاصة من اقتصاد تقوده الدولة إلى اقتصاد مختلط. أما اليوم، فقد أصبحت الحكومات نفسها لاعباً محورياً في صناعة الاستثمار، لا مجرد جهة تفتح الأبواب أو تطلق النداءات.
الدولة الحديثة تصنع الاستثمار قبل أن تدعو إليه؛ تبدأ برؤية استراتيجية واضحة تحدد مسارات النمو والقطاعات ذات الأولوية، وتبني إطاراً تشريعياً مستقراً يحقق اليقين القانوني، وتطوّر بنية تحتية تقلل المخاطر التشغيلية، وتخصص الأراضي والموارد وفق خرائط تنموية دقيقة.
ثم تنتقل إلى أدوات الترويج الحديثة عبر المؤتمرات والمعارض والفعاليات الكبرى، وتبني منظومات الابتكار وحواضن الأعمال، وتتبنى المعايير الدولية في البيئة والسلامة والجودة، وتخلق دورة اقتصادية متكاملة تجمع بين التمويل والإنتاج والتسويق والشراكات الدولية.
وفي هذا السياق، تبرز الشراكة السعودية الحضرمية كرافعة استراتيجية لا يمكن اختزالها في لقاءات أو دعوات استثمارية تقليدية. فهذه العلاقة المعمّدة بروابط التاريخ والجغرافيا والمواقف المشتركة تحمل إمكانات تتجاوز التعاون الاقتصادي المحدود إلى مستوى التوأمة المؤسسية، القائمة على تبني المعايير والاستفادة من التجربة السعودية في التخطيط والتنفيذ وحوكمة المشاريع الكبرى.
إن ترجمة هذه الشراكة إلى واقع عملي تعني بناء تكامل اقتصادي حقيقي، يشمل شراكة كاملة مع القطاعين العام والخاص السعودي، وتطوير بيئة استثمارية تعتمد على قواعد ومعايير السوق المالي السعودي، وصولاً إلى إنشاء سوق للأوراق المالية والأسهم والسندات يعزز الشفافية والثقة ويمنح المستثمرين إطاراً مؤسسياً واضحاً.
وفي هذا النموذج، يمكن أن تضطلع المملكة بدور الراعي والضامن للاستثمار في حضرموت، بما يقلل المخاطر السيادية ويعزز الجاذبية الاستثمارية ويضع حضرموت على مسار اقتصادي جديد.
وهنا فقط يمكن أن يشرق الوجه الاستثماري الحقيقي لحضرموت، وتتضح للعالم وجهة استثمارية واعدة تجمع بين الموقع الاستراتيجي والعمق التاريخي والشراكات الإقليمية القادرة على تحويل الإمكانات إلى واقع.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب الانتقال من مرحلة الخطاب إلى مرحلة المؤسسة.
فالتحدي لم يعد في إطلاق الدعوات، بل في بناء منظومة تقود الاستثمار بوعي استراتيجي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء “مجلس حضرموت للتطوير والشراكات الاقتصادية” كجسم مؤسسي يتولى صياغة الرؤية الاقتصادية، وتنسيق الجهود بين القطاعين العام والخاص، وبناء التوأمة مع التجارب الإقليمية الناجحة، واستقطاب الشراكات الدولية، وتطوير أدوات التمويل والأسواق المالية وفق معايير حديثة.
مجلس كهذا لن يكون مجرد إطار تنظيمي، بل عقل اقتصادي مؤسسي يقود عملية التحول، وينقل حضرموت من مرحلة الدعوة للاستثمار إلى مرحلة صناعة الاستثمار.
فهل تدرك السلطة المحلية حجم هذا التحول في دور الحكومات الحديثة؟ وهل نشهد قريباً ولادة مؤسسة قادرة على ترجمة الطموح إلى واقع، لتصبح حضرموت اسماً جديداً على خارطة الاستثمار الإقليمي والدولي؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة……



















