محطات حضرموت التي كشفت مافيا النفط والاستبداد عند قراءة المشهد بعمق، يبرز بوضوح وجود تطابق جوهري بين أهم حدثين في تاريخ حضرموت الحديث.
فهذا التطابق لا يظهر في شكلهما الزمني أو سياقهما الظرفي فحسب، بل يتجلى بصورة أوضح عند التعمق في مضمونهما ودلالاتهما العميقة.
إذ لا يمكن النظر إليهما بوصفهما مجرد حدثين منفصلين تفصل بينهما سنوات، بل باعتبارهما محطتين مترابطتين في مسار تاريخي واحد، يعكس سعيًا حضرميًا طويلًا وممتدًا لكسر منظومة معقدة من الهيمنة والاستبداد ونهب الثروة، وهي المنظومة التي أحكمت سيطرتها على حضرموت لعقود طويلة، جنوبًا وشمالًا، عبر أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية متداخلة.
الاول كان اكثر ايلاما لمافيا النفط والأحزاب والثاني كان اكثر ايلاما لمافيا الاستبداد والتوسع العسكري الجنوبية .
فاللقاءان اللذان نحن بصدد تحليلهما شكّلا لحظتين مفصليتين، لكل منهما سياقه الزمني الخاص، غير أنهما التقيا في الجوهر والغاية والأثر. كلاهما عبّر عن لحظة وعي جماعي، وانتقال من حالة التذمر الصامت إلى الفعل المنظم، ومن الهامش إلى مركز الفعل السياسي والاجتماعي.
ولهذا بدا تأثيرهما أشبه بصاعقة واحدة ضربت بنية مافيا النفط والاستبداد، وأربكت حساباتها، وكسرت احتكارها للمشهد، وأعادت القضية الحضرمية إلى واجهة النقاش العام باعتبارها قضية أرض وإنسان وقرار، لا مجرد مطالب جزئية أو احتجاجات عابرة.
اللقاء الأول في الرابع من يوليو 2013 بوادي نحب لم يكن حدثًا قبليًا عابرًا، بل كان انفجارًا مكبوتًا لغضب حضرمي تراكم عبر نصف قرن من الإقصاء والنهب. حضرموت، التي أُلحقت قسرًا منذ عام 1967 ثم أُعيد إنتاج تهميشها بعد 1990، كانت تعيش حالة من الاستنزاف الصامت، حيث تُنهب ثرواتها النفطية، ويُقصى أبناؤها عن القرار، وتُدار شؤونها بعقلية الغلبة لا الشراكة.
مافيا النفط والأحزاب المتنفذة نجحت طويلًا في تفتيت المجتمع، وإبقاء الاحتجاجات في إطار مطالب خدمية محدودة، بلا مشروع جامع ولا قيادة موحدة. لكن دعوة المقدم سعد بن أحمد بن حبريش كسرت هذه المعادلة فجأة.
جاءت الاستجابة للقاء وادي نحب مزلزلة؛ إذ احتشدت حضرموت بكل تنوعها الاجتماعي والجغرافي، من الساحل إلى الوادي، ومن الجبال إلى الصحراء. هذا الحضور لم يكن مجرد استعراض عددي، بل إعلانًا صريحًا بأن حضرموت قررت أن تتحدث بصوت واحد.
توقيع وثيقة حلف قبائل حضرموت الأولى مثّل انتقالًا نوعيًا من التذمر الفردي إلى الفعل الجماعي المنظم، ومن الشكوى إلى بناء أداة دفاع سياسي واجتماعي، تستند إلى الإرث القبلي، ولكن بروح معاصرة تتجاوز العصبية الضيقة نحو مشروع جامع للدفاع عن الأرض والإنسان والكرامة والثروة.
خطورة هذا اللقاء بالنسبة لمافيا النفط والاستبداد لم تكمن فقط في تشكيل حلف قبلي، بل في كسر احتكار التمثيل، وسحب الغطاء الاجتماعي عن منظومة النهب. فالحلف أعاد تعريف القبيلة من كونها أداة صراع داخلي إلى إطار حماية جماعية وموقف سياسي أخلاقي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الصوت الحضرمي يخرج من الهامش، وبدأت مراكز النفوذ تشعر بأن هناك خطرًا حقيقيًا يهدد مصالحها الراسخة.
لذلك لم يكن اغتيال المقدم سعد بن حبريش في ديسمبر 2013 فعلًا معزولًا، بل محاولة يائسة لإجهاض مشروع في مهده، وإرسال رسالة رعب إلى المجتمع الحضرمي مفادها أن الاقتراب من ملف الثروة والقرار خط أحمر.
لكن المفارقة أن هذه الجريمة، بدل أن تُنهي الحلف، حولته إلى قضية عامة، ورسّخت حضوره الرمزي والسياسي.
اغتيال المؤسس كشف الوجه الحقيقي لمافيا النفط والأحزاب، وأسقط عنها ما تبقى من أقنعة، وأكد أن المشكلة لم تكن في أشخاص، بل في مشروع حضرمي يريد استعادة قراره.
ومن هنا حافظ الحلف على جذوره القبلية، لكنه تطور اجتماعيًا وسياسيًا، وأصبح أحد أهم محركات الوعي الجمعي في حضرموت، ومقدمة ضرورية لظهور مؤتمر حضرموت الجامع لاحقًا، وانتقال القضية من مستوى الدفاع القبلي إلى مستوى الطرح السياسي المنظم.
أما اللقاء الثاني في الثاني عشر من أبريل 2025 بمنطقة العليب، فيمكن اعتباره الامتداد الطبيعي والمتقدم لذلك المسار. فبعد أكثر من عقد من التراكم، لم يعد الحلف مجرد إطار قبلي رمزي، بل تحول إلى حامل سياسي واجتماعي واسع، قادر على حشد الجماهير، وصياغة خطاب واضح، وطرح مطالب كبرى تتجاوز الخدمات والحقوق الجزئية إلى قضايا السيادة والحكم والقرار. الحشد الجماهيري غير المسبوق في لقاء العليب عكس نضج الوعي الحضرمي، واتساع قاعدة المشاركة، وتحول القضية إلى شأن مجتمعي عام، لا حكرًا على المشايخ والوجهاء. التحول الأخطر في لقاء العليب 2025 كان في وضوح الخطاب. للمرة الأولى يُطرح الحكم الذاتي وحق تقرير المصير بعلنية وثقة، كخيار سياسي مشروع، وليس كشعار خجول أو مطلب مؤجل.
هذا التحول كان بمثابة الصاعقة الجديدة على رؤوس مافيا الاستبداد والتوسع الجنوبي، تمامًا كما كان خطاب الشهيد سعد بن حبريش في 2013 صاعقة على مافيا النفط والأحزاب.
في الحالتين، كان الخطاب يضرب جوهر المنظومة المسيطرة: في الأولى كشف نهب الثروة وفضح شبكات المصالح، وفي الثانية هدد احتكار السلطة والسيطرة العسكرية الاستبدادية الجنوبية .
وهنا تتجلى نقطة الالتقاء العميقة بين الخطابين. خطاب سعد بن حبريش المؤسس واجه مافيا النفط، فكان الرد اغتيالًا وتفجيرًا للعنف والفوضى.
وخطاب عمرو بن حبريش في 2025 واجه مافيا الاستبداد والتوسع الجنوبي، فكان الرد اجتياحًا عسكريًا لحضرموت والمهرة في ديسمبر من العام نفسه، وما رافقه من انتهاكات وتنكيل.
في الحالتين، يتكرر النمط ذاته: كلما اقترب الحضارم من امتلاك قرارهم، تحركت أدوات القمع لإعادتهم إلى دائرة الخضوع. التحليل يكشف بوضوح أن مشكلة حضرموت ليست طارئة، بل بنيوية، ممتدة منذ 1967، مرورًا بـ1990، وحتى اليوم.
هي مشكلة هيمنة واستبداد، استخدمت مافيا النفط والأحزاب كأدوات اقتصادية، والمليشيات الاستبدادية الجنوبية كأدوات عسكرية، لتكريس واقع التبعية.
وقد نجحت هذه المنظومة طويلًا في إضعاف الحراك الحضرمي عبر التشتيت، وإغراق المجتمع في صراعات جانبية، وإبقاء المطالب في حدود لا تمس جوهر السلطة والثروة.
غير أن اللقاءين، وادي نحب 2013 والعليب 2025، كسرا هذه الدائرة. الأول أطلق الشرارة وكشف العدو الحقيقي، والثاني نقل القضية إلى مستوى سياسي صريح، وفتح الباب أمام معركة وعي وسيادة، لم تعد خافية على الداخل ولا على الخارج.
ولهذا كان وقع اللقاءين كالصاعقة، ليس لأنهما كانا مجرد تجمعين جماهيريين، بل لأنهما أعادا ترتيب المشهد، وأثبتا أن حضرموت قادرة على إنتاج مشروعها الخاص، رغم القمع والاغتيال والاجتياح. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة المشهد كتوثيق لحدثين فقط، بل كتشريح لمسار صراع طويل بين مشروع حضرمي يسعى لاستعادة الكرامة والقرار، ومنظومة استبداد ترى في حضرموت مجرد أرض وثروة.
وما بين الصاعقة الأولى في 2013، والصاعقة الثانية في 2025، يتضح أن المعركة لم تنتهِ، لكنها انتقلت من مرحلة الوعي الأولي إلى مرحلة المواجهة المفتوحة على كل المستويات.
* محام مترافع امام المحكمة العليا




















