لم تكن مراسيم العزاء التي أُقيمت في الخليج وتنزانيا وحضرموت لفقيد حضرموت الكبير الحكم صالح بن علي بن ثابت النهدي مجرد طقوس وداع عابرة، بل كانت مشهداً استثنائياً مكتمل الدلالات، ورسالة عميقة تختصر تاريخ رجل، وتفتح في الوقت ذاته أفق مستقبل كامل لوطنٍ يبحث عن ذاته وقراره.
فمن الرياض وجده وشرورة بالمملكة الى راس الخيمة الى دار السلام إلى وادي حضرموت، تجمّعت القلوب قبل الأجساد، واصطف الناس لا لتأدية واجب عزاء فحسب، بل لتجديد العهد مع مدرسةٍ كاملة في الحكمة والقيادة والاعتدال. كان الحضور واسعاً ومتعدد المشارب؛ قبائل، نخب، قيادات سياسية وعسكرية، شخصيات اجتماعية، وكلهم اجتمعوا عند اسمٍ واحد تجاوز حدود الجغرافيا والانتماءات الضيقة: الحكم الذي لم يكن مجرد شيخ قبيلة، بل كان وطن قائم بذاته.
لكن المشهد الأبرز، الذي يجب التوقف عنده ملياً، كان في قارة آل ثابت… هناك حيث وُلدت الأسطورة، وحيث صُنعت ملامح هذه الشخصية الاستثنائية. في ذلك المكان الذي لم يكن يوماً مجرد مسقط رأس، بل كان عاصمةً غير معلنة للقرار القبلي والاجتماعي في حضرموت. هناك، كان الفقيد يستقبل الآلاف، لا بصفة مستمعٍ فحسب، بل بصفة الحَكَم الذي تُرفع إليه القضايا، ويُحتكم إلى رأيه، وتُحسم عنده النزاعات.
لم تكن محكمة نهد في عهده إطاراً قبلياً تقليدياً، بل تحولت إلى منصة جامعة لإدارة شؤون الناس، وفض النزاعات، ورأب الصدع، وبناء التوازنات الدقيقة بين القبائل والمكونات. ومن خلالها، نسج الحكم صالح علاقات واسعة امتدت من حضرموت إلى شبوة ومأرب والجوف، وصولاً إلى دوائر القرار السياسي والعسكري، ليصبح صوته مسموعاً حيث تُصنع القرارات، ويصبح حضوره ضرورة لا يمكن تجاوزها.
وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، لم يكن الرجل تابعاً لأي حزب، ولم يُعرف عنه انخراط في أي مشروع ضيق، بل كان بذاته حزباً جامعاً لكل حضرموت. وهذه النقطة بالذات هي مفتاح فهم الظاهرة: لقد بنى مكانته لا بسلطة مفروضة، ولا بدعم خارجي، بل برصيدٍ متراكم من الحكمة، والعدل، والقدرة الفائقة على إدارة التوازنات، وهي صفات نادرة في زمن الانقسامات.
إن ما كشفته مراسيم العزاء بوضوح هو أن حضرموت تمتلك في داخلها عناصر القوة الكافية لصناعة قرارها بعيداً عن وصاية وتبعية الشمال والجنوب فالرجل الذي التف حوله الجميع في حياته، وودّعه الجميع في مماته، لم يكن يمثل اتجاهاً سياسياً ضيقاً، بل كان تجسيداً لفكرة حضرموت الجامعة، حضرموت التي تتسع للجميع ولا تنصهر في أحد.
ومن هنا، فإن الحديث عن التبعية—شمالاً أو جنوباً—يبدو خارج سياق هذا الواقع الذي أثبته الناس على الأرض. فحضرموت، التي أنجبت مثل هذه القامة، لا يمكن اختزالها في تابع أو هامش، بل هي كيانٌ له خصوصيته، وثقله، وعمقه التاريخي والاجتماعي.
ولعل انتقال الراية إلى الحكم الدكتور عبدالرب النهدي، ومعه كوكبة من الرجال الذين تشرّبوا مدرسة الفقيد، يؤكد أن المسألة ليست فرداً بقدر ما هي نهجٌ متجذر. فالمؤسسات الحقيقية لا تموت برحيل مؤسسيها، بل تستمر حين تتحول إلى ثقافة وسلوك عام، وهذا ما نلمسه اليوم في امتداد وتوسع تلك المدرسة.
إن الرسالة التي خرجت بها حضرموت من هذه المراسيم واضحة لا لبس فيها: هنا أرضٌ قادرة على إنتاج قيادتها، وصياغة قرارها، وحماية نسيجها الاجتماعي. وهنا مجتمعٌ لا ينكسر برحيل الرجال، بل يتجدد بهم، ويواصل المسير بثقةٍ أكبر.
لقد تحرك القطار… ليس بشعاراتٍ جوفاء، بل برصيدٍ ثقيل من التجربة والتاريخ والرجال. قطار القرار الحضرمي المستقل الذي يستمد شرعيته من الأرض والناس، لا من الخارج. وهذا القطار، حين ينطلق من هذا العمق، لا يكون اندفاعه تهوراً، بل مساراً طبيعياً نحو محطةٍ مستحقة.
وفي النهاية، فإن أفضل وفاء للحكم صالح بن علي بن ثابت النهدي لا يكون بالبكاء عليه، بل بالسير على دربه: درب الحكمة، والاستقلال، وجمع الكلمة. فهناك، فقط، تتحول الذكرى إلى مشروع… ويتحول الفقد إلى قوة تدفع حضرموت نحو ما تستحقه من مكانة رائدة وقرار مستقل وتقرير مصير.




















