عضو المكتب السياسي!

كاتب المقال:

في زمن «العهد الشمولي» — كما يحلو للبعض تسميته — لم يكن لقب «عضو المكتب السياسي» توصيف وظيفي أو ترقية ، بل كان «صكًا سياديًا» محاطًا بهالة من الهيبة، و «شنّة ورنّة» ترتجف لها مفاصل الأرض تحت أقدام العسكر قبل المدنيين. آنذاك، لم تكن المناصب تُمنح في ردهات الفنادق أو عبر «محاصصات» الواتساب، بل كانت تُطبخ على نار التوازنات والأقطاب، ولا ينالها إلا من عُجن في دهاليز الولاءات والأيديولوجيا ، واختبرته الأيام في أحلك المنعطفات.

أتذكر المرة الأولى التي شاهدت فيها — عن قرب — عضو مكتب سياسي؛ كنت حينها مجندًا أقضي الخدمة العسكرية الإلزامية في أحد معسكرات أبين، صبيحة الليلة التي تلت «حركة مايو 1985» الفاشلة، والتي سبقت أحداث يناير الدامية.. في ذلك الصباح، انقلب المعسكر رأسًا على عقب فجأة، ورأينا قائد اللواء بكامل وقاره ونياشينه العسكرية يقف في الميدان بجمود، يؤدي التحية العسكرية بتفانٍ لم نعهده من قبل! .

لم يكن الأمر اعتياديًا؛ إذ أطلت مجموعة من الشخصيات بلباس مدني يجمع بين التواضع والأناقة، وبدأ عريف العرض يصدح بالترحيب «الرفاق : جار الله عمر … السلامي…. أعضاء المكتب السياسي». في تلك اللحظة، خيم صمت مهيب على التشكيلات العسكرية، ولم يعد يُسمع إلا وقع الأقدام المنتظمة وهي تؤدي التحية في انضباط، رغم أن تلك الأسماء لم تكن معروفة آنذاك، ولا يتم تداولها في الإعلام، ولا تظهر صورها في الصحف أو نشرات الأخبار في تلفزيون عدن!

لكن دوام الحال من المحال؛ فرياح التسعينيات لم تأتِ فقط بالتعددية، بل جاءت بـ «تضخم سياسي» أفسد قيمة العملة القيادية.. تحول المشهد من «الندرة» إلى «الوفرة»، وصار لقب «عضو مكتب سياسي» — ذلك الرمز الذي لم يكن يُرى إلا في المنصات والعروض والفعاليات الكبرى — مشاعًا يُوزع ككروت دعوة الزواج، واختفت تلك «الفلترة» والتدرج في المناصب والصعود الهرمي الذي كان يصنع القادة .

أصبحنا اليوم نعيش زمنًا مختلفًا، تضخمت فيه المكاتب السياسية حتى باتت تضم حشودًا من الأعضاء الذين لا يحلّون ولا يربطون، ولا يتجاوز تأثيرهم حدود صفحاتهم على «الفيسبوك».. غابت الهيبة التي كانت تتصدر المشهد، و تحفظ للقرار وقاره، لتحل محلها «فوضى الألقاب» التي جردت العمل السياسي من جوهره، وأحالت المناصب الرفيعة إلى «يافطات» لا تثير في قلوب الجند تحية، ولا في نفوس الشعب ثقة.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال: