فُجعت حضرموت، في الداخل والمهجر، بفاجعةٍ أليمة تمثلت في رحيل حكيمها ومرجعيتها الراسخة، وقائدها الفذ، الحكم صالح بن علي بن ثابت النهدي، الذي انتقل إلى جوار ربه في الخامس عشر من أبريل 2026م، بعد مسيرةٍ استثنائية حافلة بالعطاء والتضحية والمواقف الوطنية المشرفة التي ستظل خالدة في ذاكرة الأجيال الحضرمية.
ولم يكن هذا الرحيل حدثًا عابرًا، بل زلزالًا إنسانيًا واجتماعيًا وسياسيًا هزّ حضرموت من أقصاها إلى أقصاها، وامتدت أصداؤه إلى مهاجرها الواسعة، حيث توالت بيانات النعي والتعزية من مختلف مكونات السلطة المحلية مدنية وأمنية وعسكرية ومن القيادات القبلية، والمكونات السياسية، والفعاليات المدنية، ومشايخ العلم، والنخب الاجتماعية، فضلًا عن بيانات مماثلة من عموم المحافظات الجنوبية والشمالية، ومن الإقليم الخليجي و العربي، في مشهدٍ نادر يعكس حجم هذه الشخصية ومكانتها الفريدة.
ومنذ لحظة إعلان الوفاة، تحوّل قصر قشاقش – دار محكمة نهد – إلى قبلةٍ للمعزين، حيث توافدت إليه جموع غفيرة من مقادمة ومشايخ القبائل، وأعيان حضرموت، والقيادات الرسمية المدنية والعسكرية، والوجاهات الاجتماعية، إلى جانب وفود من مختلف المحافظات، ممن جمعتهم بالفقيد علاقات ممتدة من العمل والمواقف والمعرفة. وقد توج كل ذلك بوصول الحكم الدكتور عبدالرب بن علي بن ثابت إلى قارة آل ثابت لاستقبال المعزين، حيث يتهيأ المكان ليشهد في يوم العزاء الرسمي السبت ١٨ ابريل، تدفقًا غير مسبوق للآلاف، بمن فيهم وزراء، وأعضاء مجلسي النواب والشورى، وقيادات مكونات سياسية، وقيادات عسكرية، وسلطات محلية، وشخصيات علمية واجتماعية، وعامة الناس، في لوحة وفاء تليق برجلٍ بحجم الوطن.
كيف لا… وهو الرجل الذي تجاوز حضوره حدود الجغرافيا، وغطّى صيته الآفاق، فكان المرجعية العليا لحضرموت في أحلك مراحلها، والركيزة التي يُحتكم إليها عند اشتداد الأزمات، والمدافع الصلب عن حقوقها المشروعة، وعلى رأسها استقلال قرارها السياسي، وحق أبنائها في تقرير مصيرهم بعيدًا عن أي وصاية أو تبعية.
لقد تسلّم الفقيد مسؤولية محكمة قبائل نهد العاصية في مرحلةٍ من أدق وأخطر المراحل، عقب استشهاد والده الحكم علي بن صالح بن ثابت النهدي في سبعينيات القرن الماضي، على يد عصابات الغدر والإجرام التابعة للجبهة القومية، وهي ذات الحقبة التي شهدت أيضًا استشهاد الحكم ربيع بن عيشان بن عجاج النهدي، في سياقٍ دموي استهدف الرموز القبلية والاجتماعية الحضرمية. إلا أن الحكم صالح بن علي لم يستكن أو ينكسر، بل تحوّل إلى رمزٍ للمقاومة والصمود، وقاد من موقع اغترابه في المملكة العربية السعودية الشقيقة ، جهودًا حثيثة لتوحيد صفوف أبناء نهد وقبائل حضرموت في مواجهة النظام الماركسي، حتى سقط ذلك النظام بقيام الوحدة اليمنية عام 1990م.
ومع عودته إلى حضرموت، في نفس العام ، بدأ فصلٌ جديد من مسيرته، حيث كرّس نفسه لقيادة المجتمع الحضرمي بحكمةٍ نادرة وبصيرةٍ ثاقبة، فكان صمام أمانٍ في وجه العواصف، وسدًا منيعًا أمام محاولات تمزيق النسيج الاجتماعي. وقد عُرف بدوره الريادي في إصلاح ذات البين، ولمّ الشمل، وتوحيد الكلمة، حتى أصبحت كلمته مرجعية يُحتكم إليها، وموقفه محل احترامٍ لدى مختلف القوى والتيارات، بل ومسموعًا ومهابا لدى أعلى دوائر القرار في الدولة خلال مختلف المراحل، منذ عام ٩٠م وحتى وفاته في ٢٠٢٦م.
ولم تتوقف مواقفه الخالدة طيلة حياته ، حيث وقف موقفًا صلبًا في وجه مشاريع تهميش وتفتبت حضرموت، وساهم بحكمته في تجنيبها الانزلاق إلى أتون الفوضى والصراعات، كما تصدى بحزم لمحاولات تقسيم حضرموت أو إخضاعها لأي مشاريع تبعية، مؤمنًا بأن حضرموت يجب أن تكون صاحبة قرارها، وشريكًا فاعلًا لا تابعًا.
كما كان حاضرا بقوة في مواجهة التحديات الكبرى وعلى راسها خطر جماعة الحوثي. حيث وقف موقفا صلبا في وجه مشاريعها الانقلاببة
وفي خضم هذه المسيرة الحافلة، ظل الفقيد وفيًا لثوابته، مدافعًا عن حقوق حضرموت وأبنائها، وساعيًا إلى تحقيق تلاحم مكوناتها، وتعزيز الشراكة العادلة بين جميع أبنائها في إدارة شؤونها، بعيدًا عن الإقصاء والتهميش ، ورافضا لاي محاولات لتقسبمها .
وقبل ما يقارب العام، وبفعل المرض الذي أقعده، فوّض أخاه الحكم الدكتور عبدالرب بن علي بن ثابت لتولي مهام محكمة قبائل نهد، في خطوةٍ عكست حرصه على استمرارية النهج والجهود الخيرة التي اختطها. وقد أثبت الحكم الدكتور عبدالرب أنه خير خلفٍ لخير سلف، حيث سار على ذات الدرب، مستندًا إلى إرثٍ ثقيل من الحكمة والمسؤولية، ومواصلاً العمل من أجل انتزاع حقوق حضرموت، وترسيخ حضورها كند ثالث للجنوب وللشمال و كطرفٍ فاعل وشريكٍ أساسي ورافضا التهميش والتبعية. وساعيا بكل جهوده لتعزيز التوافق الحضرمي والشراكة العادلة في مركز القرار الحضرمي داخل السلطة المحلية والمكونات الحضرمية المستقلة.
إن رحيل الحكم صالح بن علي بن ثابت النهدي لا يمثل خسارة لقبيلة نهد فحسب، ولا لحضرموت وحدها، بل هو خسارة وطنية كبرى لرمزٍ جمع بين الحكمة والشجاعة، وبين الحزم والاعتدال، وبين الأصالة والوعي السياسي العميق. رجلٌ استطاع أن يكون مرجعًا جامعًا في زمن التشتت، وصوت عقلٍ في زمن الضجيج، وجسرًا للتلاقي في زمن الانقسام.
لقد كان – بحق – مدرسةً في القيادة، ونموذجًا يُحتذى به في الوفاء للأرض والإنسان، وستبقى سيرته نبراسًا تهتدي به الأجيال القادمة.
رحم الله الحكم صالح بن علي بن ثابت النهدي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، ووفّق الخلف في حمل الأمانة، حتى تحقق حضرموت تطلعاتها المشروعة في القرار المستقل وحق تقرير المصير.
إنا لله وإنا إليه راجعون.




















