تجربة خاصة مع «صانع البهجة» عبدالرحمن سهيل

كاتب المقال:

تتوالى الأوجاع على مدينة المكلا، وتختطف الأقدار من بين أزقتها الوديعة قامةً إبداعية أخرى، استمدت وهجها من عمق الحارة وصدق الكلمة.. ففي يوم الأربعاء، الخامس عشر من أبريل 2026م، غيّب الموت الإذاعي والمنولوجست القدير عبدالرحمن سهيل؛ ذلك الفنان الذي لم يدرك قيمته الحقيقية إلا من اقترب من محرابه الفني، وتتلمذ في مدرسته القائمة على مبدأ «الفن من أجل الناس».

و«عبدالرحمن سهيل» – رحمه الله – هو النواة التي تشكلت حولها فرقة أهلية للمسرح في «حي السلام» بالمكلا؛ تشرفتُ برئاستها، والتف حولها ثلة من شباب الحي مطلع التسعينيات.. حيث تداعى ثلة شباب الحي مع بزوغ مناخات الانفتاح وتعدد الرؤى آنذاك، لتقديم عرض مسرحي يحاكي «مدرسة المشاغبين» بروح حضرمية خالصة، هدفها معالجة ظاهرة التسرب المدرسي.

في تلك الأيام المفعمة بالحماس، اصطف أولئك الشباب – أمثال غيث ولطفي باسيف، خالد باحارثة، محفوظ الكثيري، عبده محروس، وعمر باعراقي، وآخرين – ليقدم كل منهم دوره بعفوية منضبطة.. وفي يوم العرض، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ غصّت ساحة المركز الثقافي بحي السلام وأسواره والشوارع المحيطة بجمهور غفير، ليكون ذلك الزخم بمثابة «شهادة ميلاد» رسمية لـ «فرقة السلام للمسرح»، التي اتخذت من المركز مقرًا لبروفاتها وملتقىً للقاءاتها..

وبحكم سكنه في الحي وقربه الوجداني من أهل الفن، وجدنا في «عبدالرحمن سهيل» سندًا يتجاوز دور المستشار؛ فقد كان الموجه والمحرك الأكبر لهذا النشاط. فهو المخرج، والمقيم الفني للأعمال، بل هو «صانع البهجة» الذي يوزع النكات فتجتمع عليها القلوب، قبل أن يضع بصماته الفنية على العرض المسرحي الذي لا يكتمل إلا بـ «منولوج» يلامس هموم الناس وتطلعاتهم ببراعة منقطعة النظير – من تأليفه ويشارك في أدائه أيضًا، وكل ذلك بنقاء فني نادر؛ فقد قدم الراحل جهده وفكره تطوعًا وبلا مقابل، في زمن كان فيه الفن يسكن الأرواح قبل أن تكتسحه الماديات وتفسد جوهره..

لم ينحبس عطاء «عبدالرحمن سهيل» والفرقة الوليدة داخل أسوار الحي، بل امتدت عروضها لتصل إلى «بروم» غربًا و«الشحر» شرقًا.. وتعددت أعمالها التي جسدت قضايا المجتمع؛ من أزمات الإسكان والخدمات ونهب الأراضي إلى معاناة المعيشة اليومية.. وقد حظيت هذه التجربة باحتفاء إعلامي، وثقته أقلام صحفية كالأستاذ محفوظ سالم ناصر عبر صحيفة «الثورة» الرسمية، وبرنامج «مجلة التلفزيون» في تلفزيون عدن، اللذين رأيا في «فرقة السلام» ظاهرة مسرحية استطاعت نقل صوت الشارع إلى دائرة الأضواء.. لكنها — وللأسف — كانت تجربة غضة لم تصمد طويلًا أمام موجات التجريف التي سادت المشهد الثقافي والفني لاحقًا.

برحيل «عبدالرحمن سهيل»، فقدت الساحة الفنية في حضرموت واحدًا من جيل الكبار الذين آمنوا بأن الفن رسالة اجتماعية ومسؤولية أخلاقية قبل كل شيء.. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، وستبقى ذكراه حية في قلوب كل من رسم على وجوههم يومًا بسمة صادقة.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال: