أتضع الأمة حملها ريعاً أم إنتاجاً؟ من الفاعل؟

كاتب المقال:

عندما نرى دولاً تضيق بأبنائها وتسعى لتقليل عدد مواطنيها، ودولاً أخرى تستقطب العقول والمقيمين من كل العالم، يبرز سؤال: لماذا؟

السرّ يكمن في طبيعة الاقتصاد.

قارن بين سنغافورة (اقتصاد إنتاجي) والكويت (اقتصاد ريعي). الأولى تعتمد على الضرائب والرسوم من الإنتاج، فكلما زاد المنتجون زاد دخل الدولة، ولا مشكلة إلا مع غير المنتجين الذين يُعالَجون إنسانياً بحدود. أما الكويت فتعتمد على بيع النفط، والريع محدود، وكلما زاد عدد المواطنين زاد الإنفاق وتدهورت الخدمات.

سنغافورة لا تنتج نفطاً، بل تنتج أفكاراً، برمجيات، خدمات مالية، وتقنيات متقدمة. كل عقل قادم إليها هو إضافة لهذا الاقتصاد، وكل زيادة في الإنتاج تعني زيادة في الضرائب والرسوم، وبالتالي زيادة في دخل الدولة.

أما الكويت – مع كل الحب للكويت-، فتعتمد على بيع مورد ناضب (النفط)، حيث الريع محدود بطبيعته الجغرافية وبتقلبات السوق. هنا، كلما زاد عدد المواطنين زاد الإنفاق على الخدمات، وتدهورت جودتها إذا لم يواكبها تنويع حقيقي.

لذلك، حين تستقطب الدولة الريعية العقول وتمنحها الجنسية، لا تجد فائدة حقيقية؛ لأنها تفتقر إلى اقتصاد معرفة ونظام ضريبي لجني العوائد من تلك العقول. بينما الدول الإنتاجية تعتبر كل عقل منتج كنزاً.

هذا يقودنا عندما نفكر في قضايانا المحلية في حضرموت والمناطق المجاورة لها مثلا، وهي المناطق المنتجة التي تئن تحت وطأة الريع السيئ والنظام الضريبي الضعيف في اليمن. فالنفط والغاز والخدمات لم يجلبا سوى اللغط: أين تذهب العائدات؟ إلى المركز أم المناطق المنتجة؟ وما نسب التقاسم العادلة؟ وسط فساد مستشري، وخدمات متردية، وعدد سكان ضخم. ولهذا تبرز المطالب الانفصالية كحل،

وهنا يكمن الجوهر: الدولة الريعية تضرب “العقد الاجتماعي” في مقتل. ففي غياب الضرائب المباشرة التي يدفعها المواطن، تنتفي الحاجة إلى “المحاسبة”، وتصبح الدولة هي “الراعي” والشعب هو “الرعية” المنتظرة للعطايا، بدلاً من أن يكون الشعب هو “الممول” والدولة هي “المدير”. وعندما يفشل “الراعي” في تلبية الاحتياجات في ظل تناقص الريع، تبرز المطالب الانفصالية كحل يائس، ظناً أن استئثار المناطق بالريع سيصلح العقد المكسور.

لكن الحل الحقيقي ليس في تغيير الحدود الجغرافية،، ففي كل دولة جديدة ستظهر سيكون هناك مركز ومحليات، السر هو في النظام السياسي والاقتصادي والإداري الذي ينمّي المحليات دون حرمان المركز. يكمن الحل في نظام ضريبي عادل كالذي في الولايات المتحدة: تفتح الدولة السوق للجميع، ولا تملك شركات الإنتاج. فتحصل المناطق المحلية المنتجة على:

· رسوم عن كل هكتار تنقيب او مستغل للانتاج او التصنيع أو الإستزراع وتفرض ضرائب على الخدمات لهذه الاراضي،

· %12–17% من الإنتاج في الصناعات الاستخراجية يذهب مباشرة للتنمية المحلية.

· ضريبة محلية على أرباح الشركات لدعم الاقتصاد المحلي (نحو 15%).

بينما تحصل الحكومة المركزية على ضريبة على الأرباح قد تصل إلى 30% تقل أو تزيد بحسب الصناعة.

هذا النظام يضمن أنه كلما زاد الإنتاج، زادت العوائد المحلية والمركزية معاً، ويبعد الحكومة عن الإدارة المباشرة المسببة للفساد، مع بقاء رقابة استراتيجية (صحية وبيئية وأمنية وإقتصادية). وينطبق هذا النظام على شركات الصناعة والخدمات (اتصالات، تقنية، طيران، موانئ، تأمين، بنوك……الخ)، ويمتد للأفراد عبر الضرائب على الدخل، مما يدفع الدولة للاستثمار في التعليم والتدريب وتوفير الوظائف، لأن ضرائب الدخل تمول ميزانيات الدولة وتمنح المواطنين حق المحاسبة والرقابة فيستقيم الميزان.

بناء المستقبل يبدأ من بناء أنظمتنا المالية والضريبية. ففيها سر الاستقرار والنماء. والسؤال الذي يبقى عالقاً بكل غموضه وفكاهته السوداء: من سيلقّح هذا النظام العليل لتحمل بلداننا باقتصاد حي؟

دمتم برفاه……

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال: