حضرموت ليست مساحة جغرافية فقط، بل منظومة قيم وهوية تاريخية تشكّلت عبر قرون من الحكمة، والتوازن، واحترام الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع. هي كيان اجتماعي متماسك، عرف الدولة قبل أن تعرفها الأحزاب، وعرف النظام قبل أن تُستورد الأيديولوجيات، وعرف السلم قبل أن تُفرض عليه معارك الآخرين.
حين نقول حضرموت تجمع الجميع لكن بدون أحزاب فنحن لا نطلق شعارًا عاطفيًا، بل نطرح رؤية سياسية نابعة من الواقع الحضـرمي وتجربته التاريخية. فالأحزاب، مهما اختلفت مسمياتها، تقوم على الاصطفاف، وتعيش على الانقسام، وتغتذي من الصراع. بينما حضرموت قامت على التوافق، وعلى إدارة الخلاف بالعقل، لا بتحويله إلى معركة وجود.
التحزّب في حضرموت لم يكن يومًا منتجًا للاستقرار، بل كان بوابة لاختراق القرار الحضرمي، وأداة لربط المحافظة بمراكز نفوذ خارجية، تُدار وفق مصالح لا تمتّ بصلة لمعاناة المواطن ولا لأولوياته. كل تجربة حزبية مرّت على حضرموت أثبتت أن الحزب لا يرى حضرموت كوطن، بل كورقة ضمن مشروع أكبر، تُستخدم عند الحاجة وتُهمَل عند انتهاء الدور.
المشروع الذي تحتاجه حضرموت اليوم ليس حزبًا جديدًا، ولا واجهة سياسية ملوّنة، بل عقدًا اجتماعيًا حضرميًا يقوم على:
• استقلال القرار السياسي والأمني والاقتصادي.
• إدارة الموارد لصالح الإنسان الحضرمي لا لصالح النخب.
• شراكة حقيقية بين القبيلة، والمجتمع المدني، والكفاءات الإدارية، والنخب الفكرية.
• تحييد حضرموت عن صراعات المحاور والحروب بالوكالة.
حضرموت لا ترفض الآخر، لكنها ترفض أن يُفرض عليها. لا تُقصي أحدًا، لكنها ترفض الوصاية. تحتضن الجميع كمواطنين متساوين، لا كأتباع لمشاريع حزبية عابرة للحدود. من أراد خدمة حضرموت فليأتِ بصفته الحضرمية، لا ببطاقة حزبه، ولا بشعارات مستوردة.
إن أخطر ما يهدد حضرموت اليوم ليس الفقر ولا تردي الخدمات فقط، بل تشويه الوعي ومحاولة إقناع الناس أن الخلاص لا يأتي إلا عبر حزب أو كيان سياسي. والحقيقة أن حضرموت لا تُدار بالحشود ولا بالشعارات، بل بالعقل، وبالشرعية المجتمعية، وبإرادة الناس الحرة.
حضرموت بحاجة إلى دولة نظام وقانون، لا دولة محاصصة.
بحاجة إلى سلطة محلية قوية تستمد مشروعيتها من الناس، لا من غرف الأحزاب.
بحاجة إلى خطاب جامع يرمم الثقة، لا خطاب تعبوي يمزّق النسيج الاجتماعي.
حضرموت تجمع الجميع…
لكن على قاعدة الانتماء للأرض، لا الانتماء للحزب.
وعلى قاعدة الشراكة، لا المغالبة.
وعلى قاعدة المستقبل، لا إعادة إنتاج صراعات الماضي.
حضرموت لن تكون تابعًا، ولن تكون ساحة، ولن تكون غنيمة.
حضرموت مشروع وطني مستقل… ومن لا يفهم ذلك، لا يفهم حضرموت




















