يظهر خيار الحكم الذاتي واسع الصلاحيات بوصفه أحد السيناريوهات الأكثر تداولًا في النقاشات الحضرمية المتصلة بحق تقرير المصير، وهو خيار يقوم على فلسفة وسطية تجمع بين الحفاظ على مبدأ الارتباط المؤقت بالدولة اليمنية من ناحية، ومنح حضرموت مساحة مؤسسية واسعة لإدارة شؤونها الداخلية من ناحية أخرى. وقد برز هذا السيناريو في الوعي السياسي الحضرمي بوصفه استجابة واقعية لمعضلتين متلازمتين أُشبعتا بحثًا خلال المرحلة السابقة: الأولى تتصل بحقيقة تاريخ الإلحاق والضم الذي تعرضت له حضرموت مرتين، وما ترتب عنه من ضرر جسيم وإفقادها حقها الطبيعي في إدارة مقدراتها ومسارها التنموي؛ والثانية تتعلق بحقيقة انهيار مركز الدولة الرئيسي، وماترتب عنه من انفراد المجلس الانتقالي الجنوبي بالسيطرة جنوبا، وتعنته حتى اللحظة، في تجاهل البعد القانوني لقضية حضرموت، وإصراره على اعتبارها جزءًا تابعًا للجنوب ولمنطقة نفوذه متحديا إرادة شعب حضرموت والسلطة المركزية والدول الراعية للعملية السياسية في اليمن.
في ضوء هذا السياق، يظهر الحكم الذاتي كخيار يحاول إعادة التوازن بين الهوية الحضرمية وواقع الانتماء السياسي القائم، مع بناء ضمانات قانونية تمنع تكرار ما حدث في الماضي وتمهد الطريق للانتقال الى خيار حق تقرير المصير. إنه سيناريو لا يسعى إلى القطيعة النهائية بقدر ما يسعى إلى إعادة هيكلة العلاقة بين حضرموت والدولة المركزية على أساس تعاقدي جديد يحتوي على فترات زمنية لمراحل الخروج النهائي، ويقوم على الحقوق والالتزامات المتبادلة، وعلى احترام الكيان الاجتماعي والتاريخي للحضارم، بما ينسجم مع حقهم الطبيعي في العيش بامان على ارضهم و الانتقال من منطق “التبعية” إلى منطق “الشراكة” في المرحلة الانتقالية السابقة للخروج النهائي.
وتستمد فكرة الحكم الذاتي قوتها من مرجعيات القانون الدولي التي اعترفت بمبدأ “تقرير المصير الداخلي”، وهو شكل من أشكال ممارسة الشعوب لحقها في إدارة شؤونها ذاتيًا في إطار الدولة كمرحلة انتقالية ، متى ما ثبت أن المركز غير قادر على ضمان المشاركة العادلة أو حماية الخصوصيات المحلية. وهذا يتقاطع مع التجربة الحضرمية خلال العقود الماضية، حيث قادت فترات الإقصاء والهيمنة إلى تآكل الثقة المتبادلة، وأصبح من الصعب ، إن لم يكن من المستحيل، إعادة صياغة عقد وطني جديد في ظل تجاهل الاعتراف بجوهر المشكلة.
وبالنظر إلى ما جرى من الناحية القانونية حول استحالة التعاقد من جديد دون مراجعة تاريخ الضم والإلحاق، فإن الحكم الذاتي لا يأتي كحل إسعافي مرحلي، بل كصياغة جديدة لحق أصيل، يُعاد من خلاله تمكين الحضارم من إدارة أمنهم، وثرواتهم، وتنميتهم، ونظامهم الإداري. وهو بذلك يقدّم إجابة عملية على أسباب فشل المركز في استيعاب حضرموت ضمن نموذج دولة يعترف لها بكيان مستقل ، بسبب عدم امتلاكه الشجاعة بالاعتراف بقضية الضم والالحاق التي وقت على حضرموت ، سواء نتيجة المركزية المفرطة في الاستبداد أو الصراعات بين مراكز القوى الأكثر استبدادا داخل الدولة العميقة التي جعلت المحافظة رهينة لتجاذبات لا علاقة لها بمصالح أهلها.
ويقوم هذا السيناريو على مفهوم متقدم للحكم الذاتي، لا يقتصر على إدارة الخدمات المحلية، بل يشمل بناء مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، تمتلك القدرة على سن سياسات تنموية واقتصادية مستقلة ضمن إطار عام للدولة كمرحلة انتقالية. وهو بذلك لا يشبه تلك النماذج المتقدمة مثل إقليم كردستان العراق أو الأقاليم الذاتية في بعض الدول الاتحادية، بل هو اكثر تقدما بسبب خصوصية حضرموت التاريخية كدولة مستقلة قبل 1967، وخصوصية حضرموت التي تحتل موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا ولديها موارد اقتصادية يمكن أن تجعل الحكم الذاتي فيها نموذجًا ناجحًا مستدامًا، وهو الخيار الاسهل على السلطة المركزية، لانه وفي مثل حالة حضرموت، في الأمثلة الأخرى تم استخدام العنف الشديد ضد السلطة المركزية لانتزاع الحق، كما حدث في جنوب السودان وكردستان وتيمور .
ويكتسب هذا السيناريو أهمية إضافية إذا ما ربطناه بمشروع حضرموت التحرري. فالمشروع ليس مشروعًا انفصاليًا، بقدر ما هو مشروعا يذهب إلى تصحيح العلاقة بين حضرموت – بمحافظاتها الثلاث حضرموت وسقطرى والمهرة – والدولة أولا . غير أن شروط هذه العلاقة لا يمكن أن تُبنى من دون اعتراف صريح بأن ما جرى لحضرموت تاريخيًا لم يكن شراكة حرة، والاعتراف انه الحاق بالقوة(احتلال) وان حضرموت تستطيع تحديد مصيرها بنفسها ، وأن استمرار تجاهل ذلك يخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج التوتر والاضطراب.
وانطلاقًا من ذلك، يمثل الحكم الذاتي أحد الحلول الواقعية في الوقت الحالي التي تراعي المخاوف الأمنية للحضارم، خاصة بعد الأحداث الأخيرة ، كالتدخلات العسكرية القادمة من محافظات أخرى، ومحاولات فرض أمر واقع يتعارض مع إرادة أبناء حضرموت. وهو ما جعل الحراك الشعبي والقبلي، مثل لقاء العليب الأول والثاني، يؤكد أن حضرموت ليست ساحة مفتوحة لاي قوى تاتي من المحافظات الأخرى ، وانها اقرب الى الانسجام مع محيطها الخليجي . فالحكم الذاتي في هذا السياق ليس رفاهًا سياسيًا، بل ضرورة أمنية لحماية الأرض والثروة والهوية كمرحلة انتقالية.
ومما يزيد من واقعية هذا السيناريو أنه لا يصطدم، من حيث المبدأ، بمصالح القوى الإقليمية التي ترى في حضرموت عامل استقرار، ولا ترغب في أن تصبح ساحة نفوذ لمليشيات أو جماعات مسلحة من محافظات اخرى تتعارض أهدافها مع البيئة الإقليمية. بل يمكن القول إن الحكم الذاتي قد يصبح إطارًا امنيا يضمن بقاء حضرموت مستقرة مع حفاظها على علاقتها مع التحالف العربي، وفق تصور قائم على المصالح المتبادلة.
إن سيناريو الحكم الذاتي واسع الصلاحيات يشكّل إحدى أهم المحطات المستقبلية التي تستحق الدراسة المتعمقة، ليس فقط لكونها خيارًا حضرمياً قابلاً للتطبيق، بل لأنها تضع حجر الأساس لتحوّل حضرموت من “محافظات تدار من المركز” إلى “إقليم يدير نفسه”، وتضع حجر الأساس للاعتراف الطوعي الكامل بالتاريخ والهوية لحضرموت، وبالحق المشروع للحضارم في تقرير مصيرهم الداخلي بوصفه ضمانة لمنع تكرار الإلحاق والهيمنة.وهو تحوّل يساعد على الانتقال السلس الى المراحل الأخرى بعيدا عن العنف، ويفتح النقاش مع الأطراف اليمنية جنوبا وشمالا بهدو وبدون توتر، حول مستقبل العلاقات السياسية. من كتاب” التنظيم القانوني لممارسة حق تقرير المصير في حضرموت”.
المحامي صالح عبدالله باحتيلي – محام مترافع أمام المحكمة العليا




















