(عاد/ واشنطن) متابعات:
يفتح إعلان ترامب وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل الباب أمام تحول في طبيعة الدعم الأمريكي، وسط تحركات لتوظيف المادة 219 في تمرير التمويل عبر مسارات بديلة بعيداً عن صيغة المساعدات التقليدية.
وأثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إنهاء المساعدات الأمريكية لإسرائيل تساؤلات بشأن مستقبل الشراكة بين البلدين، خاصة مع تحديد نهاية عام 2026 موعدا لوقف الدعم، رغم أن الاتفاق الحالي يمتد حتى 2028.
لكن خلف الإعلان، تبرز معركة أخرى داخل واشنطن تتعلق بمستقبل التمويل العسكري لإسرائيل، إذ يسعى مؤيدوها إلى نقل التعاون من إطار المساعدات التقليدية إلى منظومة التعاقدات والشراكات الدفاعية داخل وزارة الحرب الأمريكية، عبر مقترح المادة 219.
فهل يعني وقف المساعدات انتهاء الدعم الأمريكي لإسرائيل، أم أن الأمر يتعلق بتغيير طريقة وصوله؟
ماذا أعلن ترامب؟
أعلن ترامب، خلال مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، التوصل إلى اتفاق مع نتنياهو لإنهاء المساعدات الأمريكية لإسرائيل بنهاية العام الجاري، قائلا إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى نحو 4 مليارات دولار سنويا تقدمها واشنطن.
وأوضح أن نتنياهو هو من طرح فكرة الاستغناء عن المساعدات، باعتبارها إحدى نقاط الخلاف في العلاقة مع الولايات المتحدة.
لكن الإعلان أثار ارتباكا في إسرائيل، إذ إن مذكرة التفاهم الحالية، التي تنظم المساعدات العسكرية الأمريكية، تمتد حتى عام 2028، وليس نهاية 2026.
كما لم تؤكد تل أبيب وجود اتفاق رسمي يقضي بوقف المساعدات في الموعد الذي أعلنه ترامب، ما فتح الباب أمام احتمال أن يكون الرئيس الأمريكي قد تحدث عن توجه مستقبلي أو خلط بين المفاوضات الجارية والاتفاق القائم.
كم تحصل إسرائيل من واشنطن؟
تتلقى إسرائيل بموجب مذكرة التفاهم الممتدة لعشر سنوات، والموقعة عام 2016، مساعدات عسكرية أمريكية بقيمة 38 مليار دولار خلال الفترة من 2019 إلى 2028.
وتتوزع هذه المساعدات على:
33 مليار دولار لتمويل شراء المعدات والأسلحة العسكرية.
5 مليارات دولار لتمويل برامج الدفاع الصاروخي.
وبذلك يبلغ متوسط المساعدات السنوية نحو 3.8 مليار دولار، وهو الرقم الذي يشير إليه ترامب باعتباره نحو 4 مليارات.
وتتجاوز أهمية هذه الأموال قيمتها المباشرة، إذ تتيح لإسرائيل شراء الأسلحة الأمريكية وتطوير منظوماتها الدفاعية، فضلا عن تمويل برامج مشتركة مع واشنطن.
ووفق تقديرات نقلتها صحيفة “يديعوت أحرونوت”، تجاوز إجمالي المساعدات الأمريكية التاريخية لإسرائيل 330 مليار دولار بالقيمة المعدلة للتضخم، منذ بدء الدعم عام 1949.
لماذا يلوح ترامب بإنهاء المساعدات؟
لا يبدو الإعلان منفصلا عن التحولات داخل الحزب الجمهوري، حيث تتزايد الانتقادات لتكلفة الدعم الأمريكي لإسرائيل، خاصة مع تداعيات حرب إيران والأعباء الاقتصادية التي يتحملها الأمريكيون.
ويواجه ترامب ضغوطا من تيار داخل قاعدته الانتخابية يرفض استمرار الإنفاق الأمريكي على الحلفاء في الخارج، ويرى أن واشنطن تتحمل أعباء مالية لا تتناسب مع مصالحها المباشرة.
ومن ثم، قد يمثل الإعلان رسالة سياسية للناخبين مفادها أن إدارته لا تمنح إسرائيل دعما غير مشروط، وأنها مستعدة لإعادة النظر في طبيعة العلاقة المالية والعسكرية معها.
كما قد يحمل الإعلان رسالة إلى نتنياهو نفسه، الذي يواجه معركة سياسية داخل إسرائيل، إذ إن فقدان التمويل العسكري الأمريكي في ظل تعدد الجبهات واستنزاف المخزونات العسكرية قد يضع حكومته أمام تحديات أمنية واقتصادية إضافية.
هل أخطأ ترامب؟
وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي: “تعكف المؤسسة العسكرية على دراسة تصريح أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل بحلول نهاية هذا العام”.
وأضافت: “وفقاً للخطط التي نوقشت بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كان من المقرر أن تنتهي اتفاقية المساعدات الأمنية للعقد الحالي في عام 2028، وليس بنهاية هذا العام”.
وتابعت الإذاعة: “من المحتمل جداً أن يكون ترامب قد أخطأ في التعبير، وكان يقصد الإشارة إلى إنهاء المساعدات في المستقبل القريب”.
وأضافت: “بغض النظر عن ذلك، فإن وقف المساعدات بحلول نهاية هذا العام لم يكن يوما جزءا من المناقشات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كما لم يتم طرحه أو إقراره عبر القنوات الرسمية المعتمدة بين المؤسستين الدفاعيتين في البلدين”.
ما المادة 219؟ وكيف يمكن أن تنقذ الدعم؟
هنا تبرز المادة 219 باعتبارها أحد المسارات التي قد تسمح باستمرار التعاون العسكري الأمريكي الإسرائيلي، حتى إذا انتهى نموذج المساعدات التقليدية.
وتتعلق المادة بمقترح لإنشاء إطار جديد لتسريع الشراكة في التكنولوجيا الدفاعية بين البلدين، يشمل:
تبادل التكنولوجيا العسكرية.
الإنتاج المشترك لأنظمة الأسلحة.
البحث والتطوير في المجالات الدفاعية.
التعاون في التكنولوجيا الحيوية والأنظمة ذاتية التشغيل.
الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية.
وتقوم الفكرة على نقل جانب من العلاقة العسكرية إلى منظومة التعاقدات والبرامج المشتركة داخل وزارة الحرب الأمريكية، بدلا من الاعتماد حصريا على مذكرة تفاهم تحدد قيمة المساعدات السنوية.
وبهذا التحول، يمكن أن تحصل إسرائيل على تمويل ومزايا تكنولوجية وعسكرية من خلال عقود ومشروعات مشتركة، حتى مع تراجع أو انتهاء المساعدات المباشرة بصيغتها الحالية.
لكن ذلك لا يعني أن المادة 219 تضمن تلقائيا استمرار المساعدات بالقيمة نفسها، أو أنها أصبحت آلية نافذة بالفعل؛ فالأمر يرتبط بإقرار التشريعات والبرامج اللازمة وتنفيذها.
لماذا تثير المادة 219 مخاوف داخل واشنطن؟
تكمن المخاوف في أن تحويل الدعم من منح عسكرية معلنة إلى عقود وشراكات بحثية وتكنولوجية قد يجعل حجم المساندة الأمريكية لإسرائيل أقل وضوحا أمام الرأي العام والكونغرس، وفق تحليل نشره موقع “ريسبونسيبل ستايت كرافت”.
كما أن توسيع نطاق التعاون في الأبحاث والتطوير الدفاعي والاستخباراتي قد يثير تساؤلات بشأن الرقابة على استخدام التكنولوجيا الأمريكية، وحدود وصول المؤسسات الإسرائيلية إلى البرامج والقدرات الأمريكية.
وحذر جو كينت، المسؤول السابق في إدارة ترامب، من أن أي توجه لإنهاء المساعدات يجب أن يشمل أيضا مراجعة البرامج المقترحة التي تمنح المؤسسات الدفاعية والاستخباراتية الإسرائيلية وصولا واسعا إلى برامج البحث والتطوير الأمريكية.
وبذلك، لا تتعلق المعركة فقط بحجم الأموال التي تحصل عليها إسرائيل، وإنما أيضا بطبيعة الشراكة العسكرية والتكنولوجية وحدود الرقابة الأمريكية عليها.
كيف انعكس الإعلان على الساحة الإسرائيلية؟
أثار إعلان ترامب ارتباكا داخل إسرائيل، خصوصا أن المؤسسة العسكرية لم تكن تتوقع إنهاء الاتفاق قبل موعده المحدد في 2028.
واعتبرت المعارضة الإسرائيلية أن الإعلان يكشف تراجعا في إدارة نتنياهو للعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.
ودعا غادي آيزنكوت، زعيم حزب “يشار” والرئيس الأسبق لأركان الجيش الإسرائيلي، نتنياهو إلى تقديم توضيح فوري، معتبرا أن معرفة المؤسسة العسكرية بتحول استراتيجي عبر وسائل الإعلام تكشف خطورة طريقة إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة.
كما حذر يائير غولان، زعيم حزب “الديمقراطيين” ونائب رئيس الأركان الأسبق، من أن وقف المساعدات سيزيد الأعباء على الاقتصاد الإسرائيلي والمواطنين، في وقت تحتاج فيه إسرائيل إلى إعادة بناء مخزونها العسكري وتعويض استنزاف قدراتها الدفاعية.
وفي المقابل، لم يقدم نتنياهو توضيحا بشأن الموعد الذي أعلنه ترامب، رغم إعلانه سابقا رغبته في تقليص الاعتماد على المساعدات الأمريكية تدريجيا.
هل تنتهي المساعدات الأمريكية فعلا؟
يتوقف ذلك على طبيعة الاتفاق الذي تحدث عنه ترامب، وما إذا كان يمثل قرارا نهائيا بإنهاء مذكرة التفاهم قبل موعدها، أم توجها سياسيا لإعادة صياغة العلاقة العسكرية بين البلدين.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في المادة 219، التي قد تتيح إعادة إنتاج الدعم الأمريكي لإسرائيل في صورة مختلفة، بعيدا عن المساعدات السنوية المباشرة التي أصبحت موضع جدل متزايد داخل الولايات المتحدة.






















