(عاد/ تركيا) متابعات:
لا يبدو إعلان الاستخبارات العامة السورية إحباط مخطط لاستهداف مصفاة بانياس مجرد عملية أمنية اعتيادية، بالنظر إلى موقع المنشأة في شبكة الطاقة السورية، والدور الذي بدأت دمشق تستعيده في حركة نقل المشتقات النفطية العراقية باتجاه البحر المتوسط. فاستهداف المصفاة، لو نُفذ، لم يكن ليقتصر تأثيره على منشأة صناعية، بل كان يمكن أن يطال أحد المراكز التي تراهن عليها سوريا لاستعادة موقعها في معادلة الطاقة الإقليمية.
ونقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن مصدر في الاستخبارات العامة إحباط مخطط إرهابي كان يستهدف المصفاة، من دون أن تكشف المعلومات الأولية عن هوية الجهة التي تقف وراءه، أو طبيعة الوسائل التي كان المخطط يعتمد عليها، أو توقيت التنفيذ المفترض. كما لم تتضح تفاصيل بشأن توقيف مشتبه بهم أو حجم التهديد الذي واجه المنشأة.
وتكتسب بانياس أهمية تتجاوز دورها في تكرير النفط، فهي تضم مصفاة رئيسية ومرفأ نفطياً على الساحل السوري، وتشكل نقطة استقبال ومعالجة وتخزين للمشتقات النفطية. كما أن موقعها يجعلها حلقة أساسية في مشروع إعادة ربط العراق بالأسواق المتوسطية عبر الأراضي السورية، وهو مشروع اكتسب أهمية إضافية مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية.
وتأتي محاولة الاستهداف المعلنة في سياق سلسلة حوادث طالت البنية التحتية للطاقة خلال الأشهر الأخيرة. ففي 18 أغسطس الماضي، تعرض خط الغاز المرتبط بمعمل الجبسة في الحسكة لانفجار أدى إلى توقف الضخ، فيما شهد خط آخر ينقل الغاز من الجبسة عبر دير الزور إلى محطات الكهرباء انفجاراً في أحد صماماته في 28 سبتمبر. وبعد يومين، وقع انفجار آخر في خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية بريف دمشق، وأدى إلى خروج محطات كهرباء عن الخدمة بصورة مؤقتة.
وفي 15 أكتوبر، أعلنت الشركة السورية للبترول تعرض خط نقل المشتقات النفطية بين بانياس وحمص لثقب في منطقة حديدة غرب حمص، ما تسبب في تسرب الوقود واستدعى إغلاق الصمامات وعزل المقطع المتضرر وبدء أعمال الإصلاح. وتحدثت تقارير عن احتمال ارتباط الحادث بمحاولة سرقة الوقود، فيما لم تقدم الشركة في إعلانها الأولي تحديداً نهائياً لسبب الضرر.
وتكشف هذه الوقائع عن اتساع نطاق المخاطر التي تواجه قطاع الطاقة السوري، وإن كانت لا تثبت وجود رابط تنظيمي أو جهة واحدة تقف وراء جميع الحوادث. فبعضها وُصف رسمياً بأنه عمل تخريبي، فيما بقيت أسباب حوادث أخرى غير محسومة. لكن تكرار الأضرار في خطوط الغاز والنفط خلال فترة قصيرة يطرح تساؤلات بشأن قدرة السلطات على حماية شبكة ممتدة عبر مناطق جغرافية واسعة، بعضها لا يزال يعاني هشاشة أمنية.
وتتضاعف أهمية هذا التحدي مع عودة العراق إلى استخدام الأراضي السورية ممراً لتصدير الطاقة. فمنذ أبريل الماضي، بدأت شحنات من الفيول العراقي تصل إلى ميناء بانياس عبر النقل البري، قبل أن تتوسع الترتيبات لتشمل البحث في نقل النفط الخام ومشتقاته إلى الساحل السوري، ثم شحنها إلى الأسواق الخارجية. وأشارت تقارير إلى عبور ما بين ألف وألف ومئتي شاحنة يومياً في بعض مراحل هذه العمليات، بما يعكس حجم النشاط اللوجستي الذي بدأ يتشكل حول هذا المسار.
وبالنسبة إلى بغداد، يوفر الطريق السوري فرصة لتنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية والممرات البحرية المرتبطة بمضيق هرمز. أما دمشق، فتستفيد من رسوم العبور والتخزين والمناولة والخدمات المرتبطة بالنقل والتصدير، فضلاً عن إمكانية تزويد مصفاة بانياس بجزء من النفط العراقي وفق الترتيبات المستقبلية.
ولا يتوقف الطموح عند الشاحنات. ففي يوليو الماضي، وقعت سوريا والعراق اتفاقات لإجراء دراسات فنية ومالية لإعادة تأهيل ممر حديثة ـ بانياس، المرتبط تاريخياً بخط كركوك ـ بانياس، بمشاركة ائتلاف دولي تقوده شركة شيفرون. وتستهدف التصورات المعلنة الوصول إلى قدرة نقل تصل إلى مليوني برميل يومياً، لكن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات والتخطيط، ولا يمثل خطاً عاملاً بهذه الطاقة في الوقت الراهن.
وتعني هذه التطورات أن أمن المنشآت السورية لم يعد شأناً داخلياً صرفاً، بل بات مرتبطاً بمصالح عراقية ودولية، وبمشروعات استثمارية تتطلب مستوى مرتفعاً من الاستقرار. فتعرض خط للغاز أو النفط للتخريب لا يقتصر أثره على كلفة الإصلاح، وإنما قد يؤدي إلى تعطيل الإمدادات، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وإضعاف ثقة الشركات التي تدرس الاستثمار في البنية التحتية السورية.
وتشير دراسات إلى أن خطوط الطاقة في سوريا تحولت خلال سنوات الحرب إلى أهداف للصراع والتخريب ومصادر للتمويل والسيطرة، وهو إرث يجعل إعادة تشغيلها أكثر تعقيداً من مجرد إصلاح الأنابيب والمنشآت. كما أن امتداد بعض المسارات عبر مناطق صحراوية واسعة ونقاط أمنية متباعدة يفرض تحديات إضافية أمام عمليات الحماية والمراقبة.
ومن هنا، لا يمكن فصل إحباط مخطط بانياس عن النقاش الأوسع بشأن قدرة سوريا على التحول إلى بوابة إقليمية للطاقة. فالموقع الجغرافي وحده لا يكفي لجذب النفط العراقي أو الاستثمارات الدولية، ما لم يقترن بمنظومة أمنية قادرة على حماية المرافئ والمصافي وخطوط النقل ومحطات الضخ.
ولا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت أن الحوادث المتكررة جزء من خطة موحدة لإفشال الممر العراقي، لكن استمرارها يمكن أن يربك هذا الخيار ويزيد كلفته ويؤخر مشروعاته. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي أمام دمشق لا يتمثل فقط في إحباط مخطط يستهدف مصفاة بانياس، بل في منع تحول منشآت الطاقة ومسارات العبور إلى نقاط ضعف تهدد مشروعاً اقتصادياً تتجاوز عوائده الحدود السورية.





















