(عاد/ بيروت) متابعات:
تضع مصادرة مئات الكيلوغرامات من المتفجرات المنسوبة إلى حزب الله السلطات اللبنانية أمام اختبار جديد في ملف حصر السلاح بيد الدولة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تحويل العملية الأمنية إلى خطوة عملية يصعب التراجع عنها.
ويكشف اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالرئيس اللبناني جوزاف عون أن الخلاف لا يتعلق بمصير الشحنة المضبوطة وحدها، بل يمتد إلى آليات التعامل مع سلاح الحزب، ومحاسبة المسؤولين عن نقله، ومستقبل الترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل.
وبحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، حث روبيو عون على محاسبة المسؤولين عن شحن المتفجرات، وتحميلهم مسؤولية تكلفتها وتوجيهها، مشدداً على ضرورة عدم إعادتها إلى حزب الله. كما دعا إلى إقامة تواصل عسكري مباشر بين القوات اللبنانية والإسرائيلية بهدف فض النزاع، في طرح يضع بيروت أمام ضغوط تتجاوز تطبيق الإجراءات الأمنية الداخلية إلى البحث عن قنوات اتصال مباشرة مع إسرائيل.
لا يعرف كيف ستتعامل بيروت مع المواد المضبوطة، وما إذا كانت ستتمكن من منع استخدامها أو إعادة إدخالها إلى منظومة الحزب
وتأتي هذه المطالب في سياق مساع أميركية لتنفيذ التفاهمات المتعلقة بنزع سلاح حزب الله، لكنها تصطدم بحسابات لبنانية داخلية وبموقف الحزب الذي يربط التخلي عن سلاحه بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الهجمات على الأراضي اللبنانية.
وأقر النائب عن حزب الله حسن فضل الله بأن المتفجرات التي ضبطتها قوات الأمن اللبنانية الأسبوع الماضي تعود إلى الحزب، وقال إنها كانت معدة للاستخدام ضد إسرائيل التي تحتل مناطق لبنانية سيطرت عليها خلال الحرب هذا العام. ونقل مسؤول في الحزب ومصدر أمني لبناني، بحسب ما أوردته وكالة رويترز، أن الشحنة كانت مخصصة للاستخدام في طائرات مسيرة ملغومة تستهدف القوات الإسرائيلية.
ويضع هذا الإقرار السلطات اللبنانية أمام مسألة تتجاوز إثبات ملكية الشحنة: كيف ستتعامل الدولة مع المواد المضبوطة، وما إذا كانت ستتمكن من منع استخدامها أو إعادة إدخالها إلى منظومة الحزب، وما الإجراءات التي ستتخذها لتحديد المسؤوليات المرتبطة بنقلها.
وتريد واشنطن، وفقاً للموقف الذي نقله مسؤول الخارجية الأميركية، أن تكون المصادرة جزءاً من مسار واضح للمساءلة ومنع عودة المتفجرات إلى الحزب. ويعني ذلك أن تقييم الخطوة لن يقتصر على نجاح الأجهزة الأمنية في ضبط الشحنة، بل سيشمل أيضاً ما ستفعله السلطات بعدها، ومدى قدرتها على تطبيق القرارات المتعلقة بحصر السلاح ومكافحة التهريب.
لكن التعامل مع هذا الملف يبقى مرتبطاً بالتوازنات الداخلية اللبنانية، حيث لا ينفصل سلاح حزب الله عن الخلاف الأوسع حول دور الحزب العسكري، والوجود الإسرائيلي في الجنوب، والضمانات المطلوبة لمنع تجدد المواجهات.
في المقابل، قدمت الرئاسة اللبنانية رواية تركز على مسؤولية الدولة في تطبيق قراراتها الأمنية، وعلى ضرورة معالجة الانتهاكات الإسرائيلية بالتوازي مع المطالب المتعلقة بسلاح حزب الله.
وقالت الرئاسة إن عون أبلغ روبيو بأن الجيش والأجهزة الأمنية يقومان بواجباتهما في تطبيق القرارات المتعلقة بمنع المظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر ومكافحة التهريب. وطلب الرئيس اللبناني من واشنطن الضغط على إسرائيل لوقف الهجمات على البلدات والقرى في جنوب لبنان، ووقف أعمال التجريف، وتمكين المزارعين من الوصول إلى حقولهم.
ويعكس هذا الموقف محاولة لبيروت ربط تنفيذ التزاماتها الأمنية بتهيئة الظروف التي تسمح بتثبيت الاستقرار على الحدود. فالحكومة اللبنانية تواجه ضغوطاً لتقييد النشاط العسكري لحزب الله، لكنها تطالب في الوقت نفسه بأن يقابل ذلك تحرك أميركي يحد من العمليات الإسرائيلية ويعالج استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق لبنانية.
وتكشف المطالب المتبادلة عن اختلاف في ترتيب الأولويات. فواشنطن تركز على إجراءات الدولة اللبنانية تجاه الحزب وسلاحه، بينما يشدد عون على أن استقرار الجنوب لا يمكن أن يتحقق من دون وقف الهجمات الإسرائيلية وإتاحة عودة الحياة إلى المناطق المتضررة.
وكانت الحكومة اللبنانية قد حظرت في الثاني من مارس الأنشطة العسكرية لحزب الله، بعدما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل دعماً لإيران، في خطوة أدخلت لبنان في الحرب الإقليمية التي بدأت بالضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير.
وتستند الضغوط الحالية أيضاً إلى اتفاق برعاية أميركية تعهدت بموجبه بيروت بنزع سلاح حزب الله، على أن يقود المسار إلى انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية. غير أن تنفيذ التفاهم يواجه عقبتين أساسيتين: رفض الحزب التخلي عن سلاحه ما دام الوجود الإسرائيلي مستمراً والهجمات متواصلة، وتمسك لبنان بضرورة وقف العمليات الإسرائيلية ومعالجة آثارها في الجنوب.
ومن هنا، يكتسب طرح روبيو بشأن التواصل العسكري المباشر أهمية تتجاوز الاتصال الأخير. فهو يشير إلى توجه أميركي نحو آليات اتصال قد تساعد، من وجهة نظر واشنطن، في فض النزاع وتثبيت التفاهمات الأمنية، لكنه يطرح في المقابل أسئلة سياسية داخل لبنان بشأن طبيعة هذا التواصل وحدوده، ومدى ارتباطه بترتيبات وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي.
ولا يعني ضبط شحنة المتفجرات، في حد ذاته، أن الدولة اللبنانية باتت قادرة على حسم ملف سلاح حزب الله، كما أن استمرار الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي لا يلغي التزامات الحكومة المعلنة بشأن حصر السلاح. فالمساران متداخلان، لكنهما ليسا متطابقين: الأول يتعلق بقدرة المؤسسات اللبنانية على فرض قراراتها الأمنية، والثاني بمدى استعداد الأطراف لتنفيذ الترتيبات التي يفترض أن تضمن أمن الحدود.
وبذلك تتحول الشحنة المضبوطة إلى اختبار عملي لمسار أوسع تحاول واشنطن دفعه إلى الأمام. وستتوقف دلالتها السياسية على الخطوات التي تتخذها بيروت لاحقاً، وعلى ما إذا كانت الضغوط الأميركية ستترافق مع تحرك ملموس لوقف الهجمات الإسرائيلية ومعالجة الوجود العسكري في الجنوب. أما استمرار كل طرف في ربط التزاماته بخطوات الطرف الآخر، فيهدد بإبقاء الاتفاق الأمني عالقاً بين مطالب متعارضة، فيما تظل الدولة اللبنانية مطالبة بإثبات قدرتها على إدارة هذا الملف المعقد.





















