تنفرد حضرموت بخصائص فريدة تشكل في مجملها هويتها الحضارية والإنسانية؛ ولعل أبرز ما يمتاز به أهلها ذلك التواضع الجم والأخلاق الرفيعة التي تجعلهم أسرى للقلوب قبل أن تكون مكسبًا للعقول.. هي أرض لا تبني مجدها على صخب الخطاب، بل على عمق اليقين، ورسوخ القيم، وتجذر العلم الشرعي المعتدل الذي حمل سفينته، عبر القرون، علماء ربانيون آثروا الخدمة والسكينة على مظاهر الشهرة والبريق.
في مسيرة نشاطي الصحفي، تتراكم الذكريات وتتخذ دلالاتها العميقة بمرور الأيام؛ ففي مطلع التسعينيات، حين كُلّفت مندوبًا صحفيًا لصحيفة «الثورة» الرسمية لتغطية الشأن المحلي في حضرموت، بدأت تتبلور فكرة تأسيس «جامعة الأحقاف».. وقتها، فتح لي الإخوة في الجمعية الإسلامية بالمكلا بابًا لإجراء حوار صحفي مع فضيلة العلامة الراحل عبدالله محفوظ الحداد، الذي كان يرأس اللجنة التحضيرية لتأسيس ذلك المشروع العلمي.. وفي أحد الصباحات، توجهت بمعية زميلي العزيز محمد محسن الحامد إلى منزل العلامة الحداد في حي «الحارة» بالمكلا، وحين وصلنا، وجدناه منهمكًا مع طلابه، يلقي عليهم درسًا، ويغدق عليهم من توجيهاته الأبوية؛ وما إن لمحنا في طرف المجلس حتى استعجل أمرهم، ثم نادانا بلطف وتواضع جم لنقترب منه.. وهناك، ألقيت أسئلتي وسجلت اللقاء عبر جهازي الصغير بكل يسر وسهولة، قبل أن ننصرف بهدوء، لتخرج تلك المادة الصحفية لاحقًا وتجد طريقها إلى صفحات «الثورة».
وتتجدد هذه النفحات بمرور السنين؛ ففي أواخر الشهر المنصرم، صادف وجودي في وادي حضرموت للمشاركة في أعمال اللقاءات التي نفذها «مؤتمر حضرموت الجامع». وقد رتّب الإخوة في مكتب مديرية تريم زيارة للأمين العام المهندس سامي العمودي والوفد المرافق له إلى الداعية الإسلامي الكبير، فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، الذي حرص كل الحرص على اللقاء بنا على الرغم من وصوله إلى تريم في ذلك اليوم قادمًا من سفر خارجي.
جلسنا في مجلس الحبيب عمر بن حفيظ العامر بمنزله بكل وقار، غامرًا إيانا ببشاشته المعهودة.. وبدأ الأستاذ أبوبكر السري بالتعريف بأبرز الحاضرين، ومنهم المهندس ماجد يادين، ابن مدينة تريم. وما إن وقع بصر ابن حفيظ عليه حتى قاطع الحديث مستفسرًا بود عن والده الأستاذ القدير رجب يادين.. وحين أُشير إليه بأنه جالس في ركن المجلس، التفت إليه الحبيب عمر مازحًا بلطف: «هو في الركن.. لأنه من أركان تريم»؛ في لمسة إنسانية نبيلة تؤكد عمق الصلات وخصال الوفاء.. وعند مغادرتنا، وقف العلامة بن حفيظ مودعًا كل فرد منا شخصيًا، في مشهد يجسد عظمة التواضع في أرفع معانيه.
وفي محطة أخرى، تتجلى الروح الحضرمية ذاتها في زيارة فضيلة العلامة المنصب معروف بن عبدالله باعبّاد، في مقر إقامته بمدينة «الغرفة»؛ تلك المدينة التي نقشت اسمها في ذاكرة التاريخ ، واقترن اسمها بمحطات مضيئة من المقاومة الحية للظلم ، وظلت على مر العصور حصنًا من حصون الكرامة ، وقلعة للثبات والرفض لكل أشكال التسلط، إلى جانب كونها مركز علم وتنوير وإصلاح اجتماعي.. فقد استقبلنا العلامة معروف باعبّاد ، بفيض من تواضعه، وفرّغ وقته للجلوس معنا مطولًا، قبل أن يصطحبنا في جولة تفقدية لأروقة وأقسام «رباط الإسعاد للدراسات الإسلامية» في المدينة؛ وهو صرح علمي وتربوي يُعنى بتدريس العلوم الشرعية وفق منهج الوسطية والسماحة، وصولًا إلى مسجد الجامع الذي تمتد جذور بنائه إلى عام 834 للهجرة.
إن هؤلاء الأعلام والأخيار يمثلون العمق الحقيقي للمكانة السامية التي يحتلها العلماء الأجلاء في الوجدان الحضرمي؛ فهم ليسوا رموزًا دينية فحسب، بل هم صمام نجاة مجتمعي، ومرجعية روحية وأخلاقية يُسترشد بدورهم التنويري والاجتماعي الراسخ، ويُستنار برؤاهم وحكمتهم في التوجيه والنصح، متسلحين بالحكمة والموعظة الحسنة.. وتأكيدًا لهذا الأثر الممتد، وعلى خطى هؤلاء العلماء الربانيين، تظل حضرموت دائمًا منارة علم ساطعة، وسفينة أمان تهتدي بها الأجيال.



















