(عاد/ بروكسل) متابعات:
أعادت التصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والتي وصف فيها العمليات العسكرية المستمرة في الشرق الأوسط بأنها “إبادة بيئية”، توجيه الأنظار الدولية نحو “التكلفة الصامتة” للنزاعات المسلحة.
النزاعات الراهنة في غزة ولبنان، الممتدة بآثارها إلى عمق المنشآت الحيوية في إيران، لم تعد تقتصر على حسابات الخسائر البشرية والاقتصادية المباشرة. إنها تمثل هجوماً منظماً وواسع النطاق ضد النظم الإيكولوجية ومقومات الحياة الآدمية المستدامة، مما يدفع الأوساط القانونية والإعلامية الدولية إلى محاولة تفكيك هذا المفهوم المستحدث ورصد تداعياته العابرة للحدود السياسية.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان:”إن ما نشهده اليوم في المنطقة ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو تدمير شامل للمستقبل المشترك عبر إبادة بيئية واضحة المعالم، حيث تتعرض التربة والمياه والهواء لانتهاكات صارخة تقضي على فرص الحياة للأجيال القادمة.”
تُجمع التقارير الأميركية والدولية المتخصصة في الشؤون الاستراتيجية على أن مفهوم “الإبادة البيئية” يخرج من سياق التوصيف المجازي ليدخل حيز الجرائم الممنهجة ضد الإنسانية. وتُعرف الأوساط الحقوقية الدولية الإبادة البيئية بأنها أي فعل تعسفي أو غير قانوني يُرتكب مع العلم المسبق بوجود احتمال قوي للتسبب في أضرار شديدة، واسعة النطاق، أو طويلة الأجل للبيئة .
ويرى خبراء معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن استخدام الأسلحة الثقيلة والمتفجرات ذات القدرة التدميرية العالية يعيد تشكيل تضاريس المنطقة الحيوية بشكل دائم، مما يحول البيئات الطبيعية المنتجة إلى بؤر ملوثة غير صالحة للسكن الآدمي لعقود طويلة بعد صمت المدافع.
وتُظهر البيانات المتقاطعة من المنظمات البيئية التابعة للأمم المتحدة حجم الدمار الإيكولوجي الهائل الذي لحق بالبنية التحتية الطبيعية في غزة وجنوب لبنانظن منها تسميم التربة والمياه الجوفية بالأنقاض، إذ تسببت القذائف والصواريخ المتفجرة في تراكم ما يزيد عن 40 إلى 50 مليون طن من الركام والمخلفات الحربية في قطاع غزة وحده.
هذا الركام المشبع بالمعادن الثقيلة السامة، مادة الأسبستوس الحارقة، وبقايا المقذوفات غير المنفجرة، يتسرب تدريجياً بفعل مياه الأمطار إلى خزان المياه الجوفي الساحلي، مما يؤدي إلى تلويثه بشكل شبه كامل ورفع معدلات الملوحة والتسمم الكيميائي.
كما ساهمت الحروب أيضا في تجريف الغطاء النباتي واستخدام الفوسفور. ووثّقت التقارير تعرض ما يقرب من 40% من الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون والفاكهة للتدمير الكامل نتيجة القصف أو التجريف المباشر. وفي جنوب لبنان، تسبب استخدام قذائف الفوسفور الأبيض في احتراق مساحات شاسعة من الأحراج والغابات تجاوزت 5000 هكتار، مخلّفاً أضراراً كيميائية مزمنة في تركيبة التربة تمنع نمو المحاصيل وتُقوض السيادة الغذائية للمجتمعات المحلية.
بالإضافة إلى تلوث الغلاف الجوي وأمطار النفط، فقد أدى استهداف منشآت تخزين الوقود ومحطات الطاقة في مناطق عدة، بما في ذلك الهجمات التي طالت البنى التحتية للطاقة في إيران، إلى تصاعد سحب دخانية سوداء كثيفة محملة بمركبات الكبريت وأكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة السامة. هذه الانبعاثات لا تتسبب فقط في تدهور جودة الهواء بشكل حاد، بل تؤدي إلى تشكل “الأمطار الحمضية السامة” التي تلوث المسطحات المائية السطحية عند هطولها وتزيد من معدلات الأمراض التنفسية والسرطانية.
وتحمل إثارة مفهوم “الإبادة البيئية” أبعاداً سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية. فالطبيعة ونظمها البيئية لا تعترف بالحدود الوطنية المترسمة على الخرائط السياسية. تلوث الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بالمواد الكيميائية السامة ومياه الصرف الصحي غير المعالجة لا يقتصر على غزة، بل يمتد ليهدد شواطئ الدول المجاورة بأكملها والموارد السمكية المشتركة.
وبالمثل، فإن السحب الدخانية الملوثة الناتجة عن تدمير المصانع أو منشآت الطاقة الإقليمية تتحرك بفعل الرياح لتنقل جزيئات التلوث والسموم إلى أجواء دول الجوار الإقليمي.
لذلك، فإن طرح طهران لهذا المفهوم بحضور قادة المجتمع الدولي وممثلي الأمم المتحدة يعكس رغبة في نقل الصراع من مجرد تلاسن سياسي وعسكري مباشر إلى إطار “الجريمة الدولية ضد المستقبل المشترك للبشرية”.
وتدعم منظمات حقوقية وبحثية أميركية التوجه نحو تعديل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من أجل إدراج “الإبادة البيئية” كجريمة خامسة قائمة بذاتها تتيح ملاحقة القادة العسكريين والسياسيين المسؤولين عن إصدار أوامر تؤدي لتدمير بيئي مستدام وممنهج.
تتقاطع تصريحات القادة والمسؤولين حول الكارثة البيئية لتكشف التباين والاتفاق في تشخيص الأزمة. ويؤكد مسؤولو برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن “الأثر البيئي للنزاع المسلح في الشرق الأوسط بلغ مستويات غير مسبوقة. إن تراكم الأنقاض الملوثة وانهيار المنظومات الأساسية لإدارة المياه والصرف الصحي يمثل قنبلة موقوتة تهدد الصحة العامة والتنوع البيولوجي الإقليمي بشكل ممتد.”
كما يقول محللون سياسيون في مراكز أبحاث أميركية أن “تبني خطاب ‘الإبادة البيئية’ من قبل دول المنطقة يُمثل محاولة ذكية لاستقطاب الحركات البيئية الدولية ومنظمات المجتمع المدني الغربية، وتحويل النقاش السياسي التقليدي حول الشرعية العسكرية إلى نقاش قيمي وأخلاقي يتعلق بحماية الكوكب والمستقبل البشري.”
تُجمع التقارير التحليلية على أن النزاعات المسلحة المعاصرة في الشرق الأوسط باتت تمارس حرباً غير معلنة ضد الطبيعة. إن “الإبادة البيئية” هي الوجه الأكثر ديمومة وفتكاً للصراع؛ إذ إنه حتى في حال التوصل إلى صفقات تهدئة سياسية أو وقف شامل لإطلاق النار، فإن معالجة التداعيات الإيكولوجية لن تكون بالأمر الهين.
إن تطهير التربة الملوثة بالمعادن الثقيلة، واستعادة نقاء وصلاحية الخزانات المائية الجوفية، وإعادة تشجير الغابات والأراضي الزراعية المحترقة، عمليات معقدة ستتطلب عقوداً من العمل التقني الدؤوب والمليارات من التمويل الدولي والإقليمي المشترك. وإلى أن يدرك المجتمع الدولي أن حماية البيئة جزء لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي الشامل، ستبقى الطبيعة في الشرق الأوسط هي الضحية الصامتة والأكبر في صراع يدمر الحاضر والمستقبل معاً.























