(عاد/ موسكو) متابعات:
تبدو أوروبا بصدد مراجعة أحد الافتراضات التي حكمت جانباً من تعاملها مع الإسلام السياسي خلال العقود الماضية، ومفاده أن استيعاب التيارات الدينية داخل النظام الديمقراطي، وإتاحة المجال أمامها للمشاركة السياسية والمدنية، يوفران إطاراً لاحتواء تناقضاتها. فمع صعود اليمين وتنامي المخاوف من التطرف والهجرة والنفوذ الخارجي، يتقدم اتجاه يدعو إلى تشديد الرقابة على الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، والتحقق من مصادر تمويلها، ومراجعة علاقاتها بالمؤسسات العامة.
ولا يعني هذا التحول أن أوروبا انتقلت بصورة موحدة إلى حظر الإسلام السياسي، أو أن الديمقراطيات الأوروبية تخلت عن ضمانات حرية التنظيم والاعتقاد. لكنه يكشف عن تغير في طبيعة الأسئلة المطروحة: فبدلاً من الاكتفاء بضمان حق التيارات الإسلامية في المشاركة، تتزايد المطالب بالتدقيق في كيفية استخدام بعض الشبكات المجال الديمقراطي، وما إذا كانت أنشطتها تتعارض مع القوانين أو المبادئ الدستورية للدول التي تعمل فيها.
ويعكس هذا التوجه انتقال النقاش من إدارة التعددية إلى وضع شروط أكثر صرامة للمشاركة في المجال العام، في وقت تتداخل فيه اعتبارات الأمن مع التنافس الحزبي، وتصبح العلاقة بين الإسلام السياسي والديمقراطية موضوعاً للصراع داخل المؤسسات الأوروبية نفسها.
من الاستيعاب إلى التدقيق
ليس معروفا ما إذا كانت هذه المراجعة ستنتج رقابة قانونية تستند إلى الأدلة والسلوك الفعلي، أم ستتوسع تحت ضغط الاستقطاب السياسي لتصبح مواجهة مفتوحة
جاء قرار البرلمان الأوروبي في 8 أكتوبر الجاري ليمنح هذا التحول بعداً مؤسسياً واضحاً. فقد أقر البرلمان، بأغلبية 381 صوتاً مقابل 167، مع امتناع 15 عضواً، قراراً يدعو إلى وضع استراتيجية أوروبية لمواجهة ما وصفه بالنفوذ الإسلامي المنظم والشبكات المرتبطة بالإخوان المسلمين.
وتضمن القرار الدعوة إلى تعزيز التدقيق في التمويل الأوروبي، ومراجعة العلاقات المؤسسية مع الجهات التي يُشتبه في ارتباطها بشبكات منظمة، ودراسة ما إذا كانت كيانات أو أفراد مرتبطون بالإخوان يستوفون المعايير القانونية للإدراج على قائمة الاتحاد الأوروبي للإرهاب. غير أن القرار لا يضع الجماعة تلقائياً على القائمة، ولا ينشئ حظراً أوروبياً شاملاً عليها؛ إذ تظل الإجراءات العقابية والتصنيفات الإرهابية خاضعة لمسارات قانونية منفصلة.
وتكمن أهمية الخطوة في أنها تنقل الملف من مستوى المبادرات الوطنية والخلافات السياسية المتفرقة إلى المطالبة بمنهج أوروبي مشترك. فبدلاً من أن تتعامل كل دولة مع الجمعيات والشبكات التي تثير مخاوفها وفق تقديراتها الخاصة، يدعو القرار إلى تطوير معايير لتقييم التمويل والروابط التنظيمية والعلاقات المؤسسية.
لكن هذه المعايير تطرح بدورها أسئلة دقيقة: ما الذي يشكل دليلاً على وجود ارتباط تنظيمي؟ وكيف يمكن التمييز بين جمعية إسلامية تعمل بصورة قانونية وشبكة تستخدم واجهات مدنية لتحقيق أهداف غير معلنة؟ وأين ينتهي التدقيق المشروع وتبدأ القيود التي قد تطال العمل الأهلي لمجرد الاشتباه أو الاختلاف الأيديولوجي؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان التحول الأوروبي سيقود إلى إجراءات محددة تستند إلى الأدلة، أم سيبقى مجالاً لتوظيف سياسي أوسع لمخاوف المجتمع من الإسلام السياسي.
اليمين يعيد رسم حدود النقاش
لا يمكن فصل هذا المسار عن صعود الأحزاب اليمينية والقومية في عدد من الدول الأوروبية، حيث أصبحت الهجرة والهوية الوطنية والأمن الثقافي ملفات مركزية في المنافسة الانتخابية. وقد دفعت هذه التحولات أحزاباً تقليدية إلى تبني مواقف أكثر تشدداً في بعض القضايا، خشية خسارة ناخبين يتجهون نحو اليمين.
وفي هذا المناخ، لم تعد المخاوف المتعلقة بالإخوان أو الشبكات الإسلامية المنظمة مقتصرة على أحزاب اليمين الأكثر تشدداً. فقد انتقلت أجزاء من النقاش إلى مؤسسات تشريعية وحكومات تتبنى مقاربات مختلفة، وإن اختلفت في تعريف المشكلة وفي حدود الإجراءات المقترحة.
وتظهر فرنسا مثالاً على هذا الاتجاه. ففي مايو الماضي، عرض وزير الداخلية لوران نونيز توجهات تشريعية تستهدف ما تسميه السلطات «الاختراق» أو «الانفصالية»، مع التركيز على أنشطة بعض الشبكات الأيديولوجية والدينية التي ترى الحكومة أنها تسعى إلى التأثير في المؤسسات العامة أو تحدي مبادئ الجمهورية. وشملت المقترحات توسيع أدوات الرقابة على الجمعيات والتمويل، إلى جانب تدابير أخرى لمواجهة التحريض والعنف.
ومع ذلك، فإن صعود اليمين لا يفسر وحده التحول. فالمخاوف الأمنية، والنقاش حول التمويل الأجنبي، وتطور السياسات المتعلقة بمكافحة التطرف، كلها عوامل تتداخل مع الحسابات الانتخابية. كما أن الأحزاب الأوروبية لا تتبنى موقفاً موحداً من الإسلام السياسي، ولا تتفق بالضرورة على تعريف «الاختراق» أو على الوسائل المناسبة لمواجهته.
لكن الأثر السياسي لصعود اليمين يتمثل في أنه يضيّق المساحة المتاحة للسياسات التي تكتفي بالاستيعاب، ويزيد الضغط باتجاه إثبات أن المؤسسات قادرة على حماية قواعدها من أي جهة تحاول استغلالها.
تقوم إحدى الحجج التي تدفع نحو التشدد على أن بعض الشبكات العابرة للحدود استفادت من الحريات الديمقراطية ومن العمل الجمعياتي لتوسيع نفوذها، بينما لم تكن الرقابة على التمويل والروابط التنظيمية كافية، وفق أصحاب هذا الرأي، لكشف أنشطتها أو تقييم أهدافها على نحو دقيق.
غير أن تحويل هذه الحجة إلى تفسير شامل للتجربة الأوروبية ينطوي على تعميم. فالديمقراطيات الأوروبية لم تتبع سياسة واحدة تجاه الإسلام السياسي، كما أن المشاركة السياسية لجماعات ذات مرجعية إسلامية لا تعني بحد ذاتها وجود مشروع سري أو معادٍ للديمقراطية. وتختلف الحالات بحسب طبيعة التنظيم، وسلوكه الفعلي، ومصادر تمويله، ومدى التزامه بالقوانين.
المسألة الأساسية، إذاً، ليست ما إذا كان ينبغي للديمقراطية أن تستوعب التيارات الإسلامية أو ترفضها بالجملة، بل ما إذا كانت قادرة على التمييز بين المشاركة المشروعة ومحاولات تقويض المؤسسات أو انتهاك الحقوق. وهذا التمييز يحتاج إلى أدلة قابلة للفحص، لا إلى أحكام تستند إلى الهوية الدينية أو المرجعية الفكرية وحدهما.
ومن هنا، فإن التدقيق في التمويل والروابط التنظيمية يمكن أن يكون أداة لحماية الشفافية، لكنه قد يتحول إلى مصدر إشكال إذا أصبحت المصطلحات السياسية الفضفاضة أساساً لاستبعاد جمعيات أو أفراد من دون إثبات مخالفات محددة.
وتتجه المخاوف الآن إلى ما يمكن أن يأتي بعد تشديد الرقابة. فقد تبدأ الإجراءات بمراجعة المنح والتمويل والعلاقات مع المؤسسات العامة، ثم تتوسع، في بعض الدول، إلى قيود على الجمعيات أو الأنشطة أو الإقامة، إذا توافرت الأسس القانونية لذلك.
البرلمان الأوروبي أقر، بأغلبية 381 صوتاً مقابل 167، مع امتناع 15 عضواً، قراراً يدعو إلى وضع استراتيجية أوروبية لمواجهة ما وصفه بالنفوذ الإسلامي المنظم والشبكات المرتبطة بالإخوان المسلمين
لكن لا توجد نتيجة آلية تربط بين قرار البرلمان الأوروبي وبين ترحيل الناشطين الدينيين أو تشديد شروط إقامتهم. فالترحيل يخضع للقوانين الوطنية والأوروبية ذات الصلة، ولضمانات قضائية، ولا يجوز اعتباره نتيجة حتمية لمجرد الانتماء إلى تيار إسلامي أو الاشتباه في قرب فكري من جماعة معينة.
ومع ذلك، فإن اتساع المجال الرقابي يستدعي الانتباه إلى أثره المحتمل على المسلمين في أوروبا، بمن فيهم أفراد لا تربطهم صلات تنظيمية بالإخوان ولا يشاركون في أنشطة سياسية. وقد حذر منتقدون للمقاربات الواسعة من أن الخلط بين الإسلام بوصفه ديناً، والإسلام السياسي بوصفه طيفاً من الحركات، والتنظيمات التي يثبت تورطها في مخالفات أو أعمال عنف، قد يؤدي إلى التمييز وإضعاف الثقة بين المؤسسات والمجتمعات المسلمة.
كما أن الإفراط في القيود قد يمنح الجماعات المتشددة مادة دعائية لتصوير الدولة الديمقراطية باعتبارها معادية للمسلمين، وهو ما يجعل ضمانات الحقوق جزءاً من استراتيجية مكافحة التطرف، لا عائقاً أمامها.
اختبار الديمقراطية الأوروبية
تكشف مراجعة التعامل مع الإخوان عن معضلة أوسع تواجه أوروبا: كيف تحمي الديمقراطية من الجهات التي قد تسعى إلى استغلال مؤسساتها، من دون أن تتخلى عن المبادئ التي تمنحها شرعيتها؟
فالتساهل مع مخالفات مثبتة، إن وجدت، يمكن أن يقوض الثقة في المؤسسات، لكن التوسع في الاشتباه قد يضعف حرية التنظيم والتعبير، ويحول الانتماء الديني إلى معيار غير مباشر للمشاركة العامة. وبين المسارين، تبرز الحاجة إلى تعريفات قانونية واضحة، وشفافية في التمويل، وإجراءات متناسبة، ومراجعة قضائية مستقلة.
ولا يتوقف مستقبل هذا التحول على قوة الخطاب السياسي الداعي إلى التشدد، بل على ما ستفعله المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء بعد قرار البرلمان، وما إذا كانت ستعتمد معايير محددة لتقييم الشبكات والتمويل والروابط التنظيمية. كما يتوقف على قدرة المؤسسات الأوروبية على حماية المسلمين من التمييز، بالتوازي مع محاسبة أي جهة تثبت مخالفتها للقانون.
وبذلك، لا تغلق أوروبا بالضرورة باب الديمقراطية أمام الإسلام السياسي، لكنها تعيد رسم شروط التعامل معه. ويبقى الاختبار في ما إذا كانت هذه المراجعة ستنتج رقابة قانونية تستند إلى الأدلة والسلوك الفعلي، أم ستتوسع تحت ضغط الاستقطاب السياسي لتصبح مواجهة أعم مع الحضور الإسلامي في الحياة الأوروبية.























