السعودية بين الردع العسكري وكلفة الحرب الطويلة

2026/10/14م

(عاد/ فرنسا) متابعات:

لم تعد معادلة الأمن السعودي تقتصر على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة أو الرد على مصادر إطلاقها، بل باتت ترتبط بقدرة المملكة على حماية بيئتها الاقتصادية من تداعيات التصعيد. فالهجمات التي استهدفت الرياض ومرافق حيوية تضع صانع القرار أمام سؤال يتجاوز طبيعة الرد العسكري وحجمه: كيف يمكن منع تكرار الهجمات وإعادة بناء معادلة ردع موثوقة، من دون الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف الموارد وتزيد المخاطر على الاستثمار والتجارة؟

وتزداد حساسية هذا السؤال مع تزامن التصعيد مع فعاليات اقتصادية دولية تستضيفها المملكة، في وقت تسعى فيه إلى ترسيخ صورتها مركزاً للاستثمار والأعمال والسياحة. وقد أظهرت تداعيات الهجمات على مطار الرياض ومؤتمر الطاقة أن المخاطر الأمنية لا تبقى محصورة في المجال العسكري، بل يمكن أن تنتقل سريعاً إلى قرارات الشركات ومسارات السفر وتقديرات المستثمرين.

بهذا المعنى، تواجه السعودية اختباراً مزدوجاً: حماية المدن والبنية التحتية من جهة، وصون الشروط الأمنية التي يقوم عليها التحول الاقتصادي من جهة أخرى. ولا يعني ذلك أن الاعتبارات الاستثمارية تحدد وحدها القرار العسكري، بل إن كلفة أي خيار باتت تُقاس أيضاً بقدرته على تقليل احتمالات تجدد الهجمات، ومنع انتقال المواجهة إلى قطاعات الاقتصاد الحيوية.

وتضع الهجمات المتكررة على المطارات والمنشآت الحيوية مفهوم الردع السعودي أمام اختبار عملي. فالقدرة على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة تظل عنصراً أساسياً في الدفاع، لكنها لا تكفي وحدها إذا استطاعت الهجمات المتكررة إحداث خسائر بشرية وتعطيل حركة الطيران ورفع مستوى القلق لدى السكان والشركات.

وتكشف هذه المعادلة عن الفارق بين امتلاك منظومات دفاع متقدمة وتحقيق حماية شاملة لبلد واسع المساحة، تتوزع فيه المنشآت العسكرية والاقتصادية ومراكز السكان على نطاق جغرافي كبير. كما أن الهجمات منخفضة الكلفة نسبياً، باستخدام المسيّرات أو الصواريخ، قد تفرض على الطرف المدافع تشغيل منظومات اعتراض مكلفة، وتبقيه في حالة استنفار مستمرة.

ومن ثم، لا يتوقف استعادة الردع على توجيه ضربة مقابلة، بل على بناء قدرة متكاملة تجمع بين الإنذار المبكر، وتعدد طبقات الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية، ورفع كفاءة الاستجابة للطوارئ. وتكتسب إدارة المعلومات والإنذارات الموجهة إلى السكان أهمية إضافية، لأن الثقة العامة في قدرة المؤسسات على التحذير والتعامل مع المخاطر جزء من صمود الجبهة الداخلية.

وقد أعادت التقارير بشأن غياب التحذيرات العامة قبيل الهجمات الدامية على مطار الرياض فتح النقاش حول جاهزية منظومة الإنذار المبكر وشفافية التواصل أثناء الأزمات. ولا يمكن اختزال هذا الملف في الجانب التقني، إذ يتعلق أيضاً بقدرة السلطات على إيصال المعلومات الضرورية في الوقت المناسب، من دون إثارة الذعر أو حجب ما يحتاج إليه السكان لاتخاذ احتياطاتهم.

لكن الدفاع وحده لا يحسم المعادلة. فحتى إذا تحسنت القدرة على اعتراض الهجمات، تبقى الحاجة إلى معالجة مصدر التهديد، ومنع الخصم من تكرار عملياته أو توسيع نطاقها. وهنا تظهر الخيارات الأكثر تعقيداً: توسيع العمليات العسكرية، أو التركيز على أهداف محددة، أو الجمع بين الضغط العسكري والتحركات الدبلوماسية.

لكل خيار كلفته ومخاطره. فالتصعيد الواسع قد يرفع كلفة الهجمات على الطرف الآخر، لكنه قد يفتح في المقابل جبهات إضافية، ويعرض منشآت جديدة للخطر، ويقلص فرص العودة إلى التهدئة. أما الاكتفاء بالدفاع فقد يحمي جانباً من البنية التحتية، لكنه لا يضمن بالضرورة تغيير حسابات الجهة التي تنفذ الهجمات.

وتزداد أهمية هذه الخيارات لأن التحول الاقتصادي السعودي يقوم على جذب الاستثمارات وتوسيع الأنشطة غير النفطية، وتطوير قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والصناعة. وهذه القطاعات تحتاج إلى بيئة يمكن للشركات فيها التخطيط طويل الأجل، وتقدير المخاطر، وضمان استمرار العمليات في ظل الأزمات.

وقد أشار صندوق النقد الدولي، في تقريره عن الاقتصاد السعودي لعام 2026، إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يضعف ثقة المستثمرين، ويؤخر قرارات الاستثمار، ويزيد صعوبة تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي وخلق الوظائف. وفي المقابل، لفت التقرير إلى أن الاحتياطيات المالية والقدرة على إدارة الأصول وتعدد البنية التحتية اللوجستية توفر للمملكة هوامش لامتصاص الصدمات.

السؤال الاستراتيجي هو ما إذا كانت السعودية تستطيع تحويل الضغط العسكري إلى ردع مستدام، بدلاً من الدخول في دورة تصعيد تستنزف مواردها

وتعني هذه المعادلة أن السعودية تمتلك أدوات لتخفيف الأثر الاقتصادي للأزمة، لكنها ليست بمنأى عن كلفتها إذا طال أمدها. فاستمرار التصعيد قد يرفع نفقات الدفاع، ويزيد تكاليف التأمين والشحن، ويدفع الشركات إلى تأجيل بعض قراراتها أو إعادة تقييم خططها. كما يمكن أن يؤثر في حركة الطيران والفعاليات الدولية، وهي قطاعات تتصل مباشرة بطموح المملكة إلى تعزيز موقعها مركزاً إقليمياً للأعمال والسياحة.

وقد عكست الخطط المتعلقة بعقد مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار بصيغة هجينة، تسمح بالمشاركة عن بعد، محاولة الموازنة بين استمرار النشاط الاقتصادي والاعتبارات الأمنية. ولا يعني هذا التكيف بالضرورة تراجعاً دائماً في ثقة المستثمرين، لكنه يوضح كيف يمكن للتهديدات الأمنية أن تفرض تعديلات عملية على الفعاليات الاقتصادية حتى عندما تصر الجهات المنظمة على استمرارها.

وهنا تكمن إحدى أهم نتائج التصعيد: قد لا يحتاج الخصم إلى تعطيل الاقتصاد السعودي بالكامل حتى يفرض كلفة عليه؛ إذ يكفي أن يرفع درجة عدم اليقين ويجعل الشركات تعيد حساب المخاطر بصورة متكررة. ولذلك، تصبح استمرارية الأعمال وسرعة التعافي وحماية المنشآت المدنية عناصر في الردع الاقتصادي، إلى جانب القدرات العسكرية التقليدية.

لا تعمل السعودية في هذه المعادلة بمعزل عن شركائها. فالتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وشركاء إقليميين يمكن أن يوفر دعماً في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي وتبادل المعلومات، ويخفف بعض الأعباء عن القدرات المحلية. لكن الاعتماد على الدعم الخارجي يطرح بدوره أسئلة حول سرعة الاستجابة، وأولويات الشركاء، وحدود انخراطهم في مواجهة قد تتسع.

وتشير هذه التحديات إلى أن تنويع الشراكات الأمنية لا يقل أهمية عن تطوير القدرات الذاتية. غير أن تعدد الشركاء لا يتحول تلقائياً إلى مظلة موحدة، إذ تختلف التزامات الدول واستعداداتها للمشاركة في العمليات. لذلك، تظل قدرة الرياض على تحديد أهدافها الأمنية، وبناء منظومة دفاع متكاملة، وتنسيق المواقف مع شركائها عوامل حاسمة في إدارة التصعيد.

وفي الوقت نفسه، لا يلغي الخيار العسكري الحاجة إلى إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً. فالتفاوض ليس بالضرورة بديلاً من الردع، كما أن الردع لا يقتضي إغلاق أبواب التسوية. وقد تسمح الضغوط العسكرية والدفاعية، إذا ارتبطت بأهداف واضحة، بتقليص قدرة الخصم على الهجوم وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للتفاوض. لكن الخطر يكمن في أن يتحول التصعيد إلى سلسلة من الضربات والردود التي يحدد كل طرف إيقاعها، من دون أن يمتلك أي منهما ضمانة لإنهائها.

ومن هنا، يرتبط نجاح السياسة السعودية بوضوح الغاية من أي تحرك عسكري: هل الهدف وقف الهجمات على المدن والمنشآت؟ أم إضعاف القدرات الصاروخية والمسيّرة؟ أم تغيير المعادلة السياسية والعسكرية الأوسع في اليمن؟ فاختلاف الأهداف يغيّر طبيعة العمليات المطلوبة، ومدتها، وكلفتها، ومخاطرها على المدنيين والبنية التحتية.

كما أن أي مقاربة طويلة الأمد تحتاج إلى أخذ المشهد اليمني في الاعتبار، بما يتضمنه من أطراف محلية وتنافس على السلطة والسيطرة. فحتى إذا أدت الضغوط العسكرية إلى تراجع قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات، فإن ذلك لا يضمن وحده تسوية مستقرة ما لم تترافق الإجراءات الأمنية مع مسار سياسي قابل للاستمرار.

في المحصلة، لا يتمثل التحدي السعودي في الاختيار بين الأمن والاقتصاد، بل في بناء مقاربة تحمي الاثنين معاً. فالردع الذي يحقق مكاسب عسكرية قصيرة الأجل لكنه يترك البلاد أمام استنزاف مفتوح قد لا يحقق الغاية الاستراتيجية كاملة، مثلما أن تجنب التصعيد من دون معالجة التهديدات المتكررة قد يضعف الثقة بقدرة الدولة على حماية أراضيها ومصالحها.

وتحتاج الرياض، تبعاً لذلك، إلى الجمع بين تعزيز الدفاعات والإنذار المبكر، وحماية البنية التحتية، وتنسيق الدعم مع الشركاء، وإدارة الرسائل العامة، والإبقاء على قنوات التسوية السياسية. كما أن مرونة الاقتصاد وقدرته على مواصلة المشاريع الأساسية أثناء الأزمات تشكلان جزءاً من قدرة الدولة على الصمود، لا مجرد نتيجة جانبية للسياسة الأمنية.

السؤال الاستراتيجي الذي تطرحه الأزمة هو ما إذا كانت السعودية تستطيع تحويل الضغط العسكري إلى ردع مستدام، بدلاً من الدخول في دورة تصعيد تستنزف مواردها وتؤثر في أهدافها الاقتصادية. فالمعيار ليس حجم الرد وحده، بل مدى قدرته على تقليل احتمال تكرار الهجمات، وحماية السكان والمنشآت، وصون ثقة المستثمرين، وفتح مسار يحد من مخاطر الحرب الطويلة.

وبهذا المعنى، تصبح حماية النموذج الاقتصادي السعودي جزءاً من الأمن الوطني، كما يصبح الاستقرار الإقليمي شرطاً مساعداً لاستمرار التحول الاقتصادي. وبين الردع والتفاوض، ستظل المعادلة الأكثر تعقيداً هي كيفية فرض كلفة كافية على الهجمات لمنع تكرارها، من دون جعل كلفة المواجهة نفسها تهديداً طويل الأمد للأهداف التي تسعى المملكة إلى حمايتها.

اضف تعليقك