(عاد/ موسكو) متابعات:
تواجه حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي اختباراً سياسياً جديداً مع استمرار الخلافات بشأن استكمال الحقائب الوزارية الشاغرة، في مشهد يكشف صعوبة التوفيق بين مطالب الكتل السياسية واستحقاقاتها الانتخابية من جهة، وضمان تمثيل المكونات العراقية وتلبية احتياجات الإدارة من جهة أخرى. وبينما تسعى الحكومة إلى حسم التشكيلة الوزارية عبر البرلمان، تثير المطالب المتنافسة ومقترحات استحداث وزارات جديدة تساؤلات بشأن ما إذا كانت المفاوضات تتجه نحو تسوية نهائية أم إلى توسيع دائرة الخلاف.
ويأتي هذا التعثر في وقت لا تزال فيه تسع حقائب وزارية شاغرة، وفق المعطيات المتداولة، وسط مشاورات تشمل أيضاً مناصب نواب رئيس الوزراء. وقد اقترح الزيدي عقد جلسة لمجلس النواب الخميس 15 أكتوبر، للتصويت على المرشحين واستكمال التشكيلة الحكومية، في خطوة تستهدف إنهاء مرحلة التفاوض والانتقال إلى تثبيت الفريق التنفيذي.
لكن تحديد موعد الجلسة لا يعني أن التفاهمات السياسية اكتملت، خصوصاً أن الكتاب الموجّه إلى رئاسة البرلمان لم يتضمن، بحسب مصدر نيابي، أسماء المرشحين للوزارات الشاغرة والمستحدثة، فيما لا تزال المشاورات مستمرة بشأن بعض المناصب.
ويعكس تمسك ائتلاف دولة القانون بحصته الوزارية أحد أبرز أوجه الخلاف، إذ أكدت النائبة عن الائتلاف إنعام حمودي أن كتلتها لن تتنازل عن الحقائب التي تعتبرها استحقاقاً انتخابياً ونيابياً. وربطت استمرار التعطيل بتراجع أداء الأجهزة التنفيذية وتأخر تنفيذ البرنامج الحكومي والمشاريع الخدمية.
وتكشف هذه المواقف أن توزيع الوزارات لا يزال يمثل محوراً أساسياً في التفاوض بين القوى السياسية، رغم الحاجة إلى استكمال الحكومة وتمكينها من العمل بكامل صلاحياتها. فكل كتلة تسعى إلى الحفاظ على حضورها داخل السلطة التنفيذية، وهو ما يجعل التوصل إلى تسوية أمراً مرتبطاً بقدرة الأطراف على إعادة ترتيب مطالبها، لا بمجرد تحديد موعد للتصويت.
وتبرز المشكلة عندما تتحول الاستحقاقات السياسية إلى عامل يطيل أمد الفراغ الوزاري، بما يترك بعض الملفات الحكومية رهينة التفاوض ويؤخر حسم المسؤوليات داخل المؤسسات التنفيذية. وفي هذه الحالة، تصبح قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها مرتبطة بمدى استعداد القوى المشاركة فيها لتقديم تنازلات متبادلة.
ولا يقتصر الجدل على حصص الكتل الكبرى، بل يمتد إلى مسألة تمثيل المكونات العراقية. فقد عبّر رئيس كتلة تحالف «القضية الإيزيدية» النيابية مراد إسماعيل عن خيبة أمله بسبب غياب أي تمثيل إيزيدي في التشكيلة الوزارية التي يجري استكمالها، معتبراً أن المكون، الذي تعرض للاضطهاد والإبادة الجماعية، يستحق حضوراً يعكس حجمه ودوره الوطني.
أزمة استكمال الحكومة تكشف عن استمرار التداخل بين المحاصصة ومتطلبات الإدارة وأعباء الميزانية وضغوط التمثيل السياسي
وأقر إسماعيل بأن عدد المقاعد النيابية للتحالف لا يمنحه تلقائياً حقيبة وزارية، لكنه شدد على حق الإيزيديين في تمثيل يعكس نسبتهم السكانية. ودعا رئيس الوزراء إلى تعويض غيابهم عن التشكيلة الوزارية بتمثيل فاعل في مفاصل الدولة، بما في ذلك مناصب وكلاء الوزارات والمديرين العامين.
ويضيف هذا الاعتراض بعداً آخر إلى المفاوضات، إذ يطرح سؤالاً عن حدود المحاصصة السياسية وقدرتها على استيعاب مطالب المكونات الأقل تمثيلاً في البرلمان. فالتوافق على توزيع الحقائب بين الكتل لا ينهي بالضرورة الجدل بشأن شمولية الحكومة، ولا يضمن شعور جميع المكونات بأن لها حضوراً في مؤسسات الدولة.
ومن شأن استمرار هذه الاعتراضات أن يجعل تشكيل الحكومة اختباراً للتوازن بين الحسابات الحزبية ومتطلبات التمثيل الوطني، خصوصاً في بلد لا تزال فيه قضايا المكونات المتضررة من العنف والنزاعات جزءاً من النقاش بشأن العدالة والمشاركة السياسية.
وزارات جديدة أم تسوية للخلافات؟
وفي موازاة المفاوضات بشأن الحقائب الشاغرة، برزت مقترحات لاستحداث وزارات إضافية، بينها وزارة للذكاء الاصطناعي أو الاستثمارات الرقمية، وفصل الثقافة عن السياحة. ولا تزال هذه الأفكار، وفق مصادر مطلعة، قيد التداول ولم تتحول إلى قرارات نهائية.
وأثار الطرح تساؤلات عن دوافع التوسع في الهيكل الحكومي، وما إذا كان يستجيب لحاجات إدارية واقتصادية فعلية أم يوفر مجالاً إضافياً لتوزيع المناصب وإرضاء القوى السياسية. كما يطرح مخاوف بشأن الأعباء المالية والإدارية التي قد تترتب على إنشاء مؤسسات جديدة، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات تتعلق بالإنفاق العام واستكمال بنيتها الحالية.
ويعكس الجدل حول الوزارات المقترحة مفارقة واضحة: فبدلاً من أن ينحصر التفاوض في حسم الحقائب الشاغرة، قد يؤدي توسيع الهيكل الحكومي إلى فتح جولة جديدة من المساومات حول المناصب والصلاحيات والموارد.
وتبقى الأولوية أمام حكومة الزيدي هي استكمال تشكيلتها على أساس تفاهمات قابلة للتنفيذ، بما يسمح بتحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين عن أداء الوزارات. فالتوصل إلى تسوية سياسية لا يقاس فقط بعدد الحقائب التي توزع أو الأطراف التي تحصل على مواقع داخل الحكومة، بل بقدرة المؤسسات على العمل وتلبية احتياجات المواطنين.
وفي المحصلة، تكشف أزمة استكمال الحكومة عن استمرار التداخل بين المحاصصة ومتطلبات الإدارة والتمثيل السياسي في العراق. وقد يشكل التصويت النيابي خطوة نحو إنهاء التعطيل، لكن تجاوز الخلافات يتطلب توافقاً لا يقتصر على تقاسم المناصب، بل يمتد إلى ضمان فاعلية الحكومة وشمولية تمثيلها، من دون تحميل المالية العامة أعباء إضافية لا تبررها الحاجة الإدارية.
























