فرنسا تعيد بناء نفوذها في الساحل من تشاد

2026/10/14م

(عاد/ تركيا) متابعات:

تعود فرنسا إلى تشاد من بوابة التعاون العسكري، بعد أقل من عامين على انسحاب آخر جنودها من البلد الذي شكل لعقود أحد أهم مراكز حضورها الأمني في الساحل والصحراء. ولا تبدو الخطوة مجرد استئناف لعلاقة دفاعية متوترة، بل محاولة لإعادة بناء النفوذ الفرنسي في منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً متسارعاً للوجود العسكري الفرنسي وصعود مقاربات أمنية وشراكات دولية جديدة.

ويكشف التقارب بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره التشادي محمد إدريس ديبي عن انتقال العلاقات من مرحلة القطيعة إلى البحث عن صيغة جديدة للتعاون، تقوم على التدريب وتطوير القدرات العسكرية والتسليح وتبادل الخبرات، من دون العودة بالضرورة إلى نموذج القواعد العسكرية الدائمة الذي اعتمدت عليه باريس في السابق.

واستقبل ماكرون ديبي في قصر الإليزيه للمرة الثالثة خلال أقل من عشرة أشهر، في مؤشر على رغبة الطرفين في تجاوز الخلافات التي أدت إلى إنهاء اتفاق الدفاع بين البلدين أواخر عام 2024، ومغادرة نحو ألف جندي فرنسي الأراضي التشادية. ورافق اللقاء توقيع وزيري دفاع البلدين إعلان نوايا لإعادة تنظيم التعاون الدفاعي، بما يشمل التدريب والخبرة والصناعات والتقنيات العسكرية وتطوير قدرات الجيش التشادي.

تراهن باريس على أن التعاون في التدريب والتسليح والاستخبارات يمكن أن يفتح لها طريقاً تدريجياً للعودة إلى الساحل، من دون إثارة الاعتراضات

وتعكس هذه الخطوات محاولة فرنسية لاستعادة مساحة من التأثير في منطقة تراجعت فيها قدرة باريس على التحرك العسكري المباشر، بعدما اضطرت إلى سحب قواتها من دول أفريقية عدة وسط اعتراضات سياسية وشعبية على استمرار وجودها.

وبحسب ما أوردته صحيفة «لوموند» الفرنسية، بدأ الحضور العسكري الفرنسي يعود إلى تشاد بصورة محدودة، مع وجود نحو 20 عسكرياً فرنسياً منذ بداية الصيف لتدريب وحدات محلية في مركزي موسورو ومساقط، شمال شرقي العاصمة نجامينا، وفق مصادر عسكرية تشادية تحدثت إلى الصحيفة.

ويشمل التدريب عناصر من قوة التدخل السريع، وهي وحدة نخبة أنشأها ديبي أواخر عام 2023، فضلاً عن تدريب قدمه أفراد من سلاح الجو الفرنسي خلال الصيف. كما تبحث باريس تزويد الجيش التشادي بمروحيتين وطائرة لنقل القوات، في وقت أوفدت فيه المديرية العامة للتسليح الفرنسية فريقاً إلى نجامينا لتحديد احتياجات الجيش.

وتتجاوز المناقشات الجانب التدريبي إلى احتمال إعادة طائرات استطلاع ومراقبة فرنسية إلى تشاد، بما قد يتيح لباريس الاستفادة مجدداً من الموقع الاستراتيجي لمطار نجامينا في وسط القارة الأفريقية.

ويشير هذا المسار إلى أن فرنسا تحاول تعويض تراجع وجودها الميداني من خلال شبكة تعاون أقل ظهوراً، لكنها قد تتيح لها الاحتفاظ بقدرات على جمع المعلومات وتقديم الدعم الفني وتعزيز جاهزية القوات المحلية. فبدلاً من نشر أعداد كبيرة من الجنود وإدارة قواعد عسكرية، تراهن باريس على بناء علاقات مؤسسية مع الجيوش الأفريقية، بما يحافظ على قنوات نفوذها ويحد من الكلفة السياسية والعسكرية لعودتها.

ومع ذلك، فإن إعلان النوايا والمباحثات بشأن التسليح والمراقبة لا تعني أن جميع الترتيبات المقترحة قد نُفذت بالفعل، كما أن حجم الوجود الفرنسي الجديد يظل محدوداً مقارنة بالانتشار الذي سبق الانسحاب.

ولا يمكن فهم التقارب الحالي باعتباره مبادرة فرنسية منفردة لاستعادة نفوذها، إذ ترتبط فرص نجاحه أيضاً بحسابات القيادة التشادية. فنجامينا التي أنهت اتفاقها الدفاعي مع باريس تسعى إلى الاحتفاظ بحرية أكبر في تحديد شركائها الأمنيين، لكنها قد تحتاج في الوقت نفسه إلى خبرات عسكرية وتجهيزات وتدريب لدعم قدرات قواتها.

التقارب بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره التشادي محمد إدريس ديبي يكشف عن انتقال العلاقات من مرحلة القطيعة إلى البحث عن صيغة جديدة للتعاون

ويتيح التعاون الجديد للطرفين مساحة لإعادة ضبط العلاقة على أساس المصالح المتبادلة، بدلاً من استعادة الصيغة القديمة التي كانت تمنح الوجود العسكري الفرنسي دوراً مركزياً في الحسابات الأمنية التشادية. غير أن هذا التوازن سيظل مرتبطاً بمدى قدرة باريس على احترام هامش القرار التشادي، وبقدرة نجامينا على الاستفادة من الدعم الخارجي من دون الارتهان لشريك واحد.

وتواجه فرنسا اختباراً أوسع من علاقتها الثنائية مع تشاد. فاستعادة التعاون مع نجامينا قد تمنحها نقطة ارتكاز مهمة في منطقة الساحل والصحراء، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة النفوذ الذي تراجع بعد انسحاب القوات الفرنسية من دول أفريقية أخرى. كما أن التحولات السياسية والأمنية في المنطقة جعلت الحكومات المحلية أكثر تشدداً في التعامل مع الشراكات الخارجية، وأكثر ميلاً إلى ربطها بشروط السيادة والمصلحة الوطنية.

لذلك، لا يتعلق التحدي الفرنسي باستعادة الوجود العسكري فحسب، بل بإعادة تعريف الدور الذي يمكن أن تؤديه باريس في بيئة إقليمية تغيرت فيها موازين القوى وتراجعت فيها فعالية الأدوات التقليدية للنفوذ.

وتراهن باريس على أن التعاون في التدريب والتسليح والاستخبارات يمكن أن يفتح لها طريقاً تدريجياً للعودة إلى الساحل، من دون إثارة الاعتراضات التي رافقت انتشار قواتها وقواعدها في السنوات الماضية. لكن نجاح هذه المقاربة يتوقف على تحويل التفاهمات السياسية إلى برامج عملية، وعلى استعداد تشاد لتوسيع التعاون ضمن حدود لا تتعارض مع استقلال قرارها الأمني.

كما أن عودة خبراء عسكريين أو احتمال استئناف أنشطة المراقبة الجوية لا يعنيان بالضرورة عودة فرنسا إلى دورها السابق في المنطقة. فالفارق كبير بين الاحتفاظ بقنوات اتصال وتعاون تقني وبين امتلاك قدرة على التأثير في القرارات الأمنية لدول الساحل.

وبين رغبة باريس في استعادة موقعها وحسابات نجامينا في تنويع شراكاتها، تبدو تشاد اختباراً مبكراً لاستراتيجية فرنسية جديدة. وإذا نجحت هذه الصيغة، فقد تتحول إلى نموذج للتعاون الذي تسعى فرنسا إلى اعتماده في أفريقيا؛ أما إذا اصطدمت مجدداً بحساسيات السيادة وتبدل الأولويات المحلية، فستظل العودة محدودة، مهما حملت الاتفاقات من إشارات سياسية.

والنتيجة أن باريس تحاول استعادة نفوذها من دون استعادة قواعدها، لكن نجاح الرهان لن يقاس بعدد المدربين أو المعدات التي ستصل إلى تشاد، بل بقدرتها على بناء شراكة مستقرة تمنحها حضوراً فعلياً في الساحل والصحراء، من دون إعادة إنتاج أسباب تراجعها.

اضف تعليقك