(عاد/ بروكسل) متابعات:
أعلنت الكويت إحباط أكبر ضبطية مخدرات في تاريخها، في عملية لا تتوقف دلالاتها عند حجم الكميات المصادرة، بل تكشف عن تحول أكثر خطورة في طبيعة التهديد الذي تواجهه البلاد. وضبطت السلطات نحو خمسة أطنان من بودرة مادة «ليريكا» الخام، إلى جانب ما يقارب أربعة ملايين كبسولة جاهزة للبيع، فضلاً عن مصنع متكامل ومعدات مخصصة لإنتاج الكبسولات وتعبئتها، فيما قدرت القيمة السوقية للمضبوطات بنحو 150 مليون دينار كويتي.
وتضع هذه الأرقام مكافحة المخدرات في صدارة التحديات الأمنية والاجتماعية، بعدما أظهرت العملية أن الخطر لم يعد يقتصر على محاولات تهريب مواد جاهزة عبر المنافذ الحدودية، بل امتد إلى محاولات بناء شبكات قادرة على التصنيع والتعبئة والترويج من الداخل.
وتكشف عملية ضبط المصنع أهمية التحول الذي تشهده هذه المواجهة. فملاحقة شحنة عابرة للحدود تختلف عن تفكيك شبكة تمتلك بنية إنتاجية ولوجستية، لأن الأخيرة تستطيع توزيع عملياتها بين التخزين والتصنيع والترويج، بما يجعل الوصول إليها أكثر تعقيداً ويحتاج إلى عمل استخباراتي وأمني متواصل.
وتواجه الكويت، كما بقية دول المنطقة، تحدياً متنامياً يتعلق بشبكات الجريمة المنظمة التي تستفيد من الأرباح الضخمة لتطوير أساليبها وتغيير مساراتها. ولذلك لا تنتهي المعركة عند ضبط المواد، بل تمتد إلى تتبع مصادر التمويل وخطوط الإمداد وشبكات التوزيع والجهات التي تقف خلفها.
وتكتسب القضية حساسية خاصة بسبب طبيعة مادة «ليريكا»، التي تستخدم في الأصل لأغراض طبية محددة، لكن إساءة استخدامها خارج الإطار الطبي يمكن أن تحولها إلى مادة مؤثرة عقلياً. ويجعل ذلك مهمة الرقابة أكثر تعقيداً، إذ يتعين على السلطات حماية الاستخدامات الطبية المشروعة، وفي الوقت نفسه منع تحول الأدوية إلى بوابة للاتجار غير القانوني.
وتدفع هذه المعادلة إلى تجاوز المقاربة الأمنية التقليدية. فنجاح أي شبكة في تسويق المخدرات يرتبط بوجود طلب داخل المجتمع، ما يعني أن تفكيك خطوط التهريب، على أهميته، لا يمكن أن يشكل الحل الوحيد.
الخطر لم يعد يقتصر على محاولات تهريب مواد جاهزة عبر المنافذ الحدودية، بل امتد إلى محاولات بناء شبكات قادرة على التصنيع والتعبئة والترويج من الداخل
ومن هنا، توسع الكويت مفهوم المواجهة ليشمل الوقاية والتوعية والعلاج. وجاء الإعلان عن الضبطية خلال ختام الحملة الوطنية التوعوية الشاملة للوقاية من آفة المخدرات «وطن يحميك»، في رسالة تعكس محاولة ربط الإنجاز الأمني بمعركة اجتماعية أوسع لحماية الأسرة والشباب.
وأكد وزير الداخلية الكويتي الشيخ فهد اليوسف أن المواجهة لا تقتصر على ملاحقة المهربين والمروجين وتشديد الرقابة، بل تشمل أيضاً تعزيز برامج الوقاية والتوعية وتجفيف منابع المخدرات. كما شدد على أهمية الشراكة بين المؤسسات الأمنية والصحية والاجتماعية في التعامل مع الظاهرة.
وتضع هذه المقاربة العلاج والتأهيل في قلب المعركة. فالمتعاطي لا يمثل فقط طرفاً في قضية أمنية، بل شخصاً يحتاج إلى فرصة للعلاج والعودة إلى أسرته ومجتمعه. وأعلنت السلطات تخصيص جناح لعلاج المدمنات وتأهيلهن، مع العمل على تجهيز مواقع متخصصة أخرى، في إطار توسيع قدرة منظومة العلاج على التعامل مع حالات الإدمان.
وتراهن الدولة بذلك على بناء جبهة متعددة المستويات. فتتولى الأجهزة الأمنية قطع خطوط الإمداد وملاحقة الشبكات، بينما تعمل المؤسسات الصحية على العلاج والتأهيل، وتتحمل الأسرة والمؤسسات التعليمية والاجتماعية مسؤولية التوعية والاكتشاف المبكر.
لكن الضبطية الكبرى تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أكبر حول قدرة شبكات المخدرات على التكيف. فكل نجاح أمني قد يدفع المهربين إلى البحث عن مسارات جديدة أو مواد مختلفة أو وسائل أكثر تعقيداً في التخفي، وهو ما يجعل المعركة طويلة ولا يمكن اختزالها في عملية واحدة مهما بلغ حجمها.
وتحتاج الكويت في المرحلة المقبلة إلى الاستمرار في تطوير التعاون بين أجهزتها المختلفة، وتعزيز تبادل المعلومات مع الدول الأخرى، لأن شبكات المخدرات لا تعترف بالحدود وتتحرك عبر مسارات إقليمية ودولية متشابكة.
وفي النهاية، لا تمثل أكبر ضبطية مخدرات في تاريخ الكويت نهاية المعركة، بل تكشف حجم الجبهة التي فتحتها الدولة لحماية المجتمع. فقد نجحت الأجهزة الأمنية في منع كمية هائلة من المواد المؤثرة عقلياً من الوصول إلى السوق، لكن الاختبار الأهم سيبقى في القدرة على منع الشبكات من إعادة بناء نفسها.
وتبدأ المواجهة الحقيقية قبل وصول المخدرات إلى المستهلك، وتستمر بعد ضبطها، عبر تجفيف مصادر التمويل، وإغلاق منافذ التهريب، وخفض الطلب من خلال التوعية، وفتح أبواب العلاج أمام من وقعوا في الإدمان.
وبذلك تحاول الكويت تحويل المواجهة من مجرد حرب على المهربين إلى استراتيجية لحماية المجتمع، لأن الرهان في النهاية لا يتعلق فقط بمصادرة أطنان من المخدرات، بل بحماية جيل كامل من الوقوع في دائرة الإدمان والجريمة.























