(عاد/ موسكو) متابعات:
لا تبدو زيارة قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر إلى القاهرة مجرد محطة جديدة في سلسلة اللقاءات المصرية مع الأطراف الليبية، بقدر ما تحمل رسالة سياسية تتجاوز حدود الاجتماع نفسه: شرق ليبيا يريد أن يقدم نفسه باعتباره الطرف الأكثر استقرارًا وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، فيما تتحرك القاهرة مبكرًا لتأكيد أن أي انتقال سياسي في ليبيا لن يكون مكتملًا من دون حضورها وتأثيرها.
واستقبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حفتر الأربعاء، في لقاء جدد خلاله التأكيد على موقف القاهرة القائم على الحفاظ على وحدة ليبيا والعمل على توحيد مؤسساتها، إلى جانب الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
ويأتي اللقاء بعد نحو ثلاثة أسابيع من استقبال السيسي رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في إشارة إلى أن القاهرة تحاول إبقاء قنواتها مفتوحة مع طرفي الانقسام الليبي بدل الارتهان إلى أحدهما.
لكن توقيت لقاء حفتر يكتسب أهمية مختلفة في ظل التطورات المتسارعة داخل ليبيا.
ففي الوقت الذي يواجه فيه غرب البلاد موجات من الاحتجاجات والاضطرابات المرتبطة بتدهور الخدمات العامة، بما في ذلك الكهرباء والأوضاع المعيشية، إضافة إلى تهديدات تمس منشآت وموارد النفط، يسعى شرق ليبيا إلى إبراز صورة مغايرة: مناطق أكثر هدوءًا، ومؤسسات أمنية أكثر تماسكا، وقدرة أكبر على ضبط المجال العام وحماية المنشآت الحيوية.
وهذه المقارنة ليست تفصيلًا إعلاميًا عابرًا.
فالاستقرار يمكن أن يتحول إلى ورقة سياسية عندما تبدأ الأطراف الدولية في البحث عن القوى القادرة على تنفيذ أي ترتيبات انتقالية جديدة. وإذا كانت خطة الأمم المتحدة تهدف في النهاية إلى الوصول إلى مسار سياسي يفضي إلى انتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، فإن السؤال لن يكون فقط من يملك الشرعية السياسية، وإنما من يستطيع الحفاظ على الأمن ومنع انهيار مؤسسات الدولة خلال الفترة الانتقالية.
وهنا يريد معسكر الشرق أن يقول إن لديه إجابة عن هذا السؤال.
فقوات حفتر تسيطر على معظم مناطق شرق وجنوب ليبيا، فيم. وفي المقابل، تسيطر حكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليًا، على معظم مناطق الغرب انطلاقًا من طرابلس.
ومنذ انقسام ليبيا عام 2014، أصبح الأمن أحد أبرز عناصر القوة في الصراع بين المعسكرين. لكن المعادلة بدأت تتغير تدريجيًا؛ إذ لم يعد السؤال يتعلق فقط بمن يسيطر على أكبر مساحة جغرافية، بل بمن يستطيع تقديم نفسه كشريك قادر على ضمان الاستقرار في بلد يحتاج إلى مرحلة انتقالية جديدة.
وتدرك القاهرة هذه المعادلة جيدًا. فمصر، التي ترتبط بليبيا بحدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية مباشرة، لا تستطيع التعامل مع أي تحول سياسي ليبي باعتباره شأنًا داخليًا صرفًا. استقرار شرق ليبيا يعني بالنسبة إلى القاهرة استقرار حدودها الغربية، فيما يمثل أي انفلات أمني في ليبيا مصدرًا مباشرًا للمخاطر الأمنية والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.
لكن القاهرة في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر وكأنها تراهن على حفتر وحده.
فالاستقبال المصري السابق للدبيبة، ثم استقبال حفتر، يعكسان سياسة تقوم على إبقاء الباب مفتوحًا أمام المعسكرين، مع التشديد العلني على وحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها. وهذا يمنح القاهرة هامشًا للتأثير في أي تسوية مقبلة، بدل أن تجد نفسها أمام ترتيبات تفرضها قوى إقليمية ودولية أخرى.
وفي هذا السياق، تبرز تركيا باعتبارها المتغير الأكثر إثارة للاهتمام.
شرق ليبيا يسعى إلى إبراز صورة مغايرة: مناطق أكثر هدوءًا، ومؤسسات أمنية أكثر تماسكا، وقدرة أكبر على ضبط المجال العام
فأنقرة التي كانت خلال السنوات الماضية من أبرز داعمي حكومة طرابلس عسكريًا وسياسيًا، بدأت في السنوات الأخيرة فتح قنوات أوسع مع شرق ليبيا، بما في ذلك اتصالات مباشرة مع معسكر حفتر. وتعكس زيارة هاكان فيدان وزير الخارجية التركي الأخيرة إلى بنغازي، وقبلها زيارة صدام حفتر إلى أنقرة، تحولًا مهمًا في الحسابات التركية.
هذا التحول لا يعني أن تركيا تخلت عن مصالحها في غرب ليبيا أو أصبحت حليفًا لمعسكر الشرق، لكنه يكشف أن أنقرة لم تعد تتعامل مع الانقسام الليبي باعتباره معادلة صفرية. وهو تطور يهم القاهرة بصورة خاصة.
وإذا كانت تركيا، التي لعبت دورًا رئيسيًا في منع سقوط طرابلس خلال السنوات الماضية، تتجه إلى إقامة علاقة أكثر براغماتية مع شرق ليبيا، فإن هامش المناورة أمام القاهرة يتسع. كما أن أي تفاهم تركي مع معسكر الشرق يمكن أن يخفف من حدة الاستقطاب الإقليمي الذي طبع الملف الليبي خلال السنوات الماضية.
وفي قلب هذا التحول يبرز اسم صدام حفتر.
فالاستقرار النسبي في مناطق الشرق لا يخدم فقط صورة والده خليفة حفتر، وإنما يفتح المجال أمام الجيل التالي من القيادة داخل المعسكر الشرقي. ومع تنامي حضوره في الاتصالات الإقليمية، يمكن لصدام حفتر أن يلعب دورًا أكثر وضوحًا في المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا انتقلت ليبيا إلى ترتيبات سياسية جديدة تتطلب شخصيات قادرة على الجمع بين النفوذ الأمني والعلاقات الإقليمية.
وتمنحه علاقاته المتنامية مع تركيا بعدًا إضافيًا. فأنقرة تستطيع، بحكم نفوذها التاريخي في غرب ليبيا، أن تكون جسرًا بين المعسكرين إذا قررت الانتقال من سياسة دعم طرف إلى سياسة إدارة التوازن بين الأطراف.
وهنا تصبح زيارة حفتر إلى القاهرة جزءًا من مشهد أوسع.
شرق ليبيا لا يريد فقط أن يثبت أنه قادر على الحفاظ على الأمن، بل يريد تحويل هذا الاستقرار إلى نفوذ سياسي. والقاهرة لا تريد فقط حماية حدودها، بل تريد ضمان أن تكون جزءًا أساسيًا من هندسة المرحلة المقبلة. وتركيا، من جهتها، تبدو أكثر استعدادًا للتعامل مع مراكز القوة الليبية المختلفة.
أما الأمم المتحدة، فتظل صاحبة المسار السياسي الذي يفترض أن يقود إلى انتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
وبين هذه الأطراف، تحاول ليبيا الانتقال من مرحلة الانقسام العسكري والسياسي إلى مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد.
وقد يكون هذا هو السبب في أن «ورقة الاستقرار» أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ففي بلد أنهكته سنوات الانقسام، لا يكفي أن يقول طرف إنه يمثل الشرعية، أو أن يعلن آخر أنه يملك القوة. المرحلة المقبلة ستحتاج إلى طرف يستطيع الجمع بين الأمن والسياسة والقدرة على التعامل مع القوى الإقليمية.
ويراهن شرق ليبيا على أن لديه هذه العناصر. أما القاهرة، فتبدو حريصة على ألا تصل ليبيا إلى مرحلة انتقالية جديدة من دون أن تكون لها كلمة فيها.
ولهذا فإن لقاء السيسي وحفتر قد يكون أقل ارتباطًا بإدارة الخلاف الليبي الحالي، وأكثر ارتباطًا بالاستعداد للخلاف التالي: من سيجلس إلى الطاولة عندما تبدأ عملية إعادة تشكيل الدولة الليبية، ومن سيمتلك القدرة على التأثير في شكلها الجديد؟

























