(عاد/ القاهرة) متابعات:
منذ عقود، شكّلت الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر حضوراً وتأثيراً في الشرق الأوسط، مستندة إلى شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية. غير أن الحرب في غزة، وما رافقها من دعم أميركي واسع لإسرائيل، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تراجع غير مسبوق في صورة واشنطن لدى الرأي العام العربي، مقابل صعود لافت للحضور الصيني.
وتكشف استطلاعات حديثة أجراها “الباروميتر العربي” في ثماني دول عربية خلال أواخر عام 2025 أن أغلبية المستطلعين باتوا يعتبرون الصين أكثر احتراماً للقانون الدولي من الولايات المتحدة.
ويعكس هذا التحول تغيراً أعمق في المزاج الشعبي العربي تجاه القوى الدولية، خصوصاً بعد الحرب الإسرائيلية على غزة التي خلّفت دماراً واسعاً وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين الفلسطينيين.
ويرى كثير من العرب أن واشنطن وقعت في تناقض واضح بين خطابها بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا، الذي شدد على حماية السيادة والقانون الدولي وحقوق المدنيين، وبين موقفها من الحرب في غزة، حيث واصلت دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، واستخدمت نفوذها داخل مجلس الأمن لحمايتها من الضغوط الدولية. وقد عزز هذا التناقض الانطباع السائد بأن الولايات المتحدة تطبق معايير مزدوجة في تعاملها مع الأزمات الدولية.
ولا يعد هذا التراجع في الثقة مقتصراً على الشارع العربي، بل بدأ ينعكس تدريجياً على البيئة السياسية الإقليمية. فالحكومات العربية، حتى تلك الحليفة تقليدياً لواشنطن، باتت أكثر حذراً في إظهار تقارب علني مع الإدارة الأميركية في ظل تصاعد الغضب الشعبي من الحرب في غزة.
كما أصبحت المبادرات الأميركية في المنطقة، سواء المرتبطة بالتطبيع أو ببناء تحالفات أمنية جديدة، تواجه تحديات أكبر بسبب تراجع المصداقية الأميركية.
وفي المقابل، تستفيد الصين من هذا التحول بهدوء ومن دون الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية. فبكين لا تمتلك قواعد عسكرية واسعة في الشرق الأوسط، ولم تتورط في حروب مكلفة في المنطقة، لكنها نجحت في تقديم نفسها كشريك اقتصادي ودبلوماسي أقل تصادمية وأكثر احتراماً لمبدأ السيادة وعدم التدخل.
وخلال السنوات الأخيرة، وسعت الصين حضورها الاقتصادي في المنطقة عبر مشاريع البنية التحتية والطاقة والاستثمار، مستفيدة من مبادرة “الحزام والطريق” التي عززت ارتباطها بعدد من الاقتصادات العربية.
كما نجحت دبلوماسياً في تسجيل اختراقات مهمة، أبرزها رعاية الاتفاق السعودي ـ الإيراني عام 2023، وهو ما منحها صورة القوة القادرة على لعب دور الوسيط، في وقت بدت فيه الولايات المتحدة غارقة في الاستقطابات والصراعات.
النفوذ الأميركي لم يعد مطلقاً كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، وقوى دولية أخرى باتت تجد مساحة أكبر للتحرك.
ولا يعني ذلك أن الصين أصبحت بديلاً كاملاً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فواشنطن ما تزال القوة العسكرية الأكبر وصاحبة النفوذ الأمني الأوسع في المنطقة، كما ترتبط بعلاقات استراتيجية عميقة مع دول الخليج وإسرائيل ومصر والأردن. لكن التحول الحالي يشير إلى أن النفوذ الأميركي لم يعد مطلقاً كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، وأن قوى دولية أخرى باتت تجد مساحة أكبر للتحرك.
ويبدو أن أحد أبرز أسباب هذا التحول هو تآكل القوة الناعمة الأميركية، أي قدرتها على التأثير من خلال القيم والصورة الأخلاقية والخطاب السياسي. فالصورة التي حاولت واشنطن ترسيخها لعقود باعتبارها المدافع الأول عن النظام الدولي والقانون وحقوق الإنسان تعرضت لضربة قوية بسبب الحرب في غزة.
وفي المقابل، تستفيد الصين من غياب هذا العبء الأخلاقي، إذ لا تقدم نفسها بوصفها حاملة لمشروع ديمقراطي أو حقوقي، بل كشريك براغماتي يركز على المصالح الاقتصادية والاستقرار.
كما أن الرأي العام العربي بات ينظر إلى بكين باعتبارها أقل انحيازاً في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مقارنة بالولايات المتحدة، وهو عامل ساهم في رفع شعبيتها، خصوصاً في دول مثل تونس ومصر والأردن والمغرب.
وحتى روسيا، رغم حربها في أوكرانيا، حققت مستويات قبول شعبية تفوقت أحياناً على الولايات المتحدة، في مؤشر على عمق الأزمة التي تواجهها واشنطن في المنطقة.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا التراجع قد ينعكس على قدرة الولايات المتحدة في إدارة ملفات إقليمية أساسية، من بينها احتواء إيران، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على تحالفاتها التقليدية. فبناء أي منظومة إقليمية جديدة يتطلب شريكاً يتمتع بحد أدنى من الثقة والمصداقية، وهو ما يبدو أن واشنطن تخسره تدريجياً.
وفي المقابل، تدرك الصين أن اللحظة الحالية تمنحها فرصة تاريخية لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
ولذلك تواصل بكين توسيع شراكاتها التجارية والدبلوماسية مع دول المنطقة، مستفيدة من رغبة العديد من العواصم العربية في تنويع تحالفاتها وعدم الارتهان لقوة دولية واحدة.
ومع ذلك، فإن صعود الصين لا يعني بالضرورة أفولاً أميركياً سريعاً، لأن ميزان القوى في الشرق الأوسط ما يزال يميل عسكرياً وأمنياً لصالح واشنطن. لكن المؤكد أن الحرب في غزة سرّعت تحولاً كان يتشكل تدريجياً منذ سنوات: تراجع الهيمنة الأميركية الأحادية، وظهور نظام إقليمي أكثر انفتاحاً على تعدد القوى الدولية.
وفي حال استمرت الولايات المتحدة في تجاهل الفجوة بين خطابها السياسي وممارساتها الفعلية في المنطقة، فإن هذا التحول قد يتعمق أكثر خلال السنوات المقبلة، بما يمنح الصين فرصة أكبر لترسيخ نفسها ليس فقط كشريك اقتصادي رئيسي، بل أيضاً كقوة سياسية تحظى بقبول متزايد في الشرق الأوسط.

























