خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف.. لماذا تتعثر وحدة ليبيا؟

2026/05/21م

(عاد/ موسكو) متابعات:

 

تكشف التطورات الأخيرة في ليبيا عن مفارقة سياسية وأمنية عميقة؛ فبينما تتحدث الأطراف الدولية عن مؤشرات “تقدم” نحو توحيد المؤسسات الليبية، لا تزال البنية الفعلية للأزمة قائمة، بل وربما أكثر ترسخا من أي وقت مضى.

وتبدو الميزانية الموحدة التي جرى الاتفاق عليها لأول مرة منذ أكثر من عقد، والمناورات العسكرية المشتركة برعاية أميركية، أقرب إلى محاولات لإدارة الانقسام لا لإنهائه، في ظل استمرار اقتصاد الحرب، وتغلغل شبكات الفساد، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتضارب مصالح القوى الخارجية.

ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تحولت ليبيا إلى ساحة مفتوحة للتنافس الداخلي والإقليمي والدولي، حيث فشلت كل المبادرات السياسية في بناء سلطة مركزية موحدة قادرة على فرض سيادتها على كامل البلاد.

واليوم، رغم الحديث عن “تفاهمات” بين الحكومتين المتنافستين في الشرق والغرب، فإن الواقع يشير إلى أن الانقسام لم يعد مجرد حالة انتقالية، بل أصبح جزءا من بنية النظام السياسي والاقتصادي القائم.

ويحمل الاتفاق على ميزانية موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي من الناحية الشكلية دلالة سياسية مهمة، إذ إنه يعكس قدرة الأطراف المتصارعة على التوصل إلى حد أدنى من التفاهم حول إدارة الموارد. لكن هذا الاتفاق لا يعني بالضرورة وجود إرادة حقيقية لإعادة بناء الدولة، بقدر ما يعكس توافقا مرحليا بين مراكز النفوذ على تقاسم العائدات النفطية وتخفيف الضغوط الدولية المتزايدة.

وتحول النفط، الذي يفترض أن يكون ركيزة الاستقرار والتنمية، خلال السنوات الماضية إلى أداة لإدامة الانقسام، إذ تعتمد الحكومتان والميليشيات المرتبطة بهما على العائدات النفطية لتمويل شبكات الولاء والمحسوبية.

ولذلك، فإن أي زيادة محتملة في إنتاج النفط الليبي، والتي تدفع نحوها الولايات المتحدة وأوروبا لتعويض اضطراب إمدادات الخليج بسبب الحرب مع إيران، قد تعزز اقتصاد النخب المسلحة أكثر مما تحسن الظروف المعيشية للمواطنين.

وتبدو واشنطن في المرحلة الحالية معنية بليبيا من زاويتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالطاقة، في ظل الحاجة الغربية إلى مصادر بديلة للنفط والغاز بعد اضطرابات الخليج وإغلاق مضيق هرمز، والثانية أمنية ترتبط بمحاولة تقليص النفوذ الروسي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الدعم الأميركي لاتفاق الميزانية الموحدة، وكذلك تنظيم مناورات “فلينتلوك” العسكرية داخل ليبيا، باعتبارهما جزءا من استراتيجية أوسع لإعادة إدماج ليبيا ضمن المنظومة الأمنية الغربية، وليس بالضرورة حلا جذريا للأزمة الليبية نفسها.

جرى الترويج لتوحيد المؤسسات باعتباره مؤشرا على إمكانية التعاون بين المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب، لكنه عمليا لم يمس جوهر الانقسام العسكري القائم، بل ربما منحت الأطراف المتنافسة شرعية إضافية وأعادت تكريس واقع تعدد مراكز القوة.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع داخلي شديد التعقيد. فالقوى المسلحة التي تسيطر فعليا على الأرض لا تبدو مستعدة للتخلي عن امتيازاتها.

وفي غرب البلاد، ترتبط حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها بشبكات من الميليشيات التي راكمت نفوذا اقتصاديا وأمنيا واسعا، بينما يقوم نفوذ قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر في الشرق على تحالف عسكري ـ قبلي ـ اقتصادي يسيطر على معظم مناطق النفط والحدود.

وهذا يعني أن أي حديث عن توحيد المؤسسات يظل محدود الأثر ما لم يترافق مع إعادة هيكلة فعلية لمنظومة القوة المسلحة، وهي خطوة تبدو بعيدة المنال في ظل غياب الثقة بين الأطراف، واستمرار التدخلات الخارجية.

كما أن المناورات العسكرية المشتركة التي جرت برعاية “أفريكوم” تكشف بدورها حدود المقاربة الدولية الحالية.

وبينما جرى الترويج لها باعتبارها مؤشرا على إمكانية التعاون بين المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب، فإنها عمليا لم تمس جوهر الانقسام العسكري القائم، بل ربما منحت الأطراف المتنافسة شرعية إضافية وأعادت تكريس واقع تعدد مراكز القوة.

ويزداد المشهد تعقيدا مع استمرار الدور الخارجي في تغذية الانقسام. فتركيا وروسيا ومصر لا تزال تحتفظ بنفوذ مباشر أو غير مباشر داخل الساحة الليبية، عبر دعم أطراف محلية متنافسة، سواء لأسباب جيوسياسية أو اقتصادية أو أمنية. كما أن بعض القوى الأوروبية تتعامل مع الملف الليبي من منظور ضيق يرتبط أساسا بقضية الهجرة والطاقة، وليس ببناء دولة مستقرة.

ويكشف تقرير الأمم المتحدة الأخير بشأن تهريب السلاح والنفط عن حجم التداخل بين المصالح الدولية والشبكات المحلية غير الشرعية. فعمليات تهريب الشاحنات العسكرية والتواطؤ الأوروبي الضمني في تمريرها، تعكس كيف أصبحت ليبيا ساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية على حساب سيادة الدولة.

وأما داخليا، فإن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تواصل التفاقم رغم الثروة النفطية الهائلة. فارتفاع معدلات الفقر والتضخم، وتدهور الخدمات العامة، وتفشي الفساد، كلها عوامل تعمق فقدان الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية القائمة.

كما أن الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، سواء ضد المواطنين أو المهاجرين، تؤكد هشاشة الدولة واستمرار منطق المجموعات المسلحة في إدارة المشهد الأمني.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو ليبيا أمام معادلة شديدة التعقيد: فهناك حراك سياسي ودبلوماسي يوحي بوجود تقدم، لكن البنية العميقة للأزمة لا تزال على حالها. فالسلطات المتنافسة تستفيد من الانقسام، والميليشيات تستفيد من اقتصاد الفوضى، والقوى الخارجية تواصل إدارة مصالحها عبر الوكلاء المحليين.

ولذلك، فإن أي حديث عن تسوية سياسية حقيقية يظل مرتبطا بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، عبر فرض آليات رقابة فعالة على تهريب النفط والسلاح، وممارسة ضغوط حقيقية على الأطراف المستفيدة من الفوضى، ودفع العملية السياسية نحو انتخابات شاملة تعيد إنتاج سلطة موحدة ذات شرعية.

لكن في ظل التوازنات الحالية، يبدو أن ليبيا لا تزال عالقة في دائرة “خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف”، حيث تتكرر محاولات التهدئة والتفاهم، فيما يبقى الانقسام هو القاعدة الحاكمة للمشهد الليبي.

اضف تعليقك