تقرير: لماذا يجعل الفشل الحكومي السلام مع واشنطن عديم الجدوى بالنسبة لإيران؟

2026/05/17م

(عاد/ واشنطن) متابعات:

لقد عانى الإيرانيون من ضربات اقتصادية واسعة النطاق في السنوات الأخيرة لدرجة أن أوضاعهم لا يمكن وصفها بأنها جيدة، حتى لو تم التوصل قريباً إلى اتفاق لإنهاء الصراع الحالي بشكل حاسم.

وفي نوفمبر الماضي، حذر الرئيس مسعود بيزشكيان من احتمال إخلاء العاصمة بأكملها بسبب النقص الحاد في المياه.

وبعد سنوات من الاستهلاك المفرط وبناء السدود، دخلت البلاد في أزمة عندما ضربتها أحدث دورة من موجات الجفاف الدورية.

وبالإضافة إلى ذلك، قبل الحرب بأشهر، كانت الكهرباء تنقطع في المدن الكبرى لساعات متواصلة، أحياناً دون سابق إنذار.

ووفقاً لأحمد مرادي، عضو لجنة الطاقة البرلمانية، تعاني الشبكة الوطنية حالياً من عجز يبلغ 20,000 ميغاواط بسبب “عدم كفاية طاقة التوليد، ومشكلات في محطات الطاقة، وتقادم خطوط النقل”.

واضطرت العديد من المباني السكنية في إيران إلى شراء مولدات كهربائية تحسباً لتوقف المصاعد فجأة.

وليس هذا هو نهاية المشاكل، فقد أجبر نقص الغاز الطبيعي في الشتاء الماضي السلطات على إغلاق المصانع التي تعمل بالغاز وخفض أجور عمال المصانع.

وساهمت الأسعار المنخفضة للغاز الطبيعي والنفط والكهرباء في الاستهلاك المفرط.

وعندما انقطعت الإمدادات، توقفت الشركات عن الدفع، مما ترك منتجي الطاقة غير قادرين على تحمل تكاليف تحديث منشآتهم وخطوط النقل القديمة وغير الفعالة.

ووفقاً لمراجعة إحصائية الطاقة العالمية لعام 2025، تعتمد إيران على الغاز الطبيعي في 69 في المئة من إجمالي طاقتها، وهي نسبة أعلى من أي دولة أخرى باستثناء تركمانستان وأوزبكستان.

كما تعتمد روسيا أيضاً بشكل كبير على الغاز الطبيعي، حيث تستخدمه في 54 في المئة من إجمالي إمداداتها من الطاقة.

ويعد توليد الكهرباء، والاستخدام الصناعي، وتدفئة المنازل المستهلكين الرئيسيين، مع صادرات طفيفة إلى تركيا والعراق.

ولطالما كان توفير الغاز الطبيعي الكافي خلال فصل الشتاء مشكلة. فمرافق توليد الكهرباء التي تستخدم الغاز هي جميعها تقريباً مزدوجة القدرة، مما يعني أنها يمكنها حرق أنواع مختلفة من الوقود في الشتاء عندما تنفد إمدادات الغاز.

ومع ذلك، فإن هذه الميزة تجعل هذه المرافق أقل كفاءة وتسبب تلوثاً شديداً. كما مثل قطع الإمدادات عن المستخدمين الصناعيين خلال موجات البرد مشكلة كبيرة أيضاً.

ولطالما عانت إيران من عدم كفاية المرافق لتخزين الغاز خلال الصيف (عندما يكون الطلب أقل) لاستخدامه خلال الشتاء.

وقد تفاقمت كل هذه المشاكل في السنوات الأخيرة، ويُعد استمرار فشل الحكومة في معالجة هذه المشكلات دليلاً على مدى سوء أداء الحكومات الإيرانية في إدارة الاقتصاد.

وعندما حذر من احتمال قطع الغاز عن المنازل، كان الحل الذي اقترحه بيزشكيان لمعالجة النقص يقترب من السخرية حيث قال “أنا أرتدي ملابس دافئة في المنزل. يمكن للآخرين أن يفعلوا ذلك أيضا.” (

وعندما نفد الغاز الطبيعي من محطات توليد الكهرباء، اضطرت طهران إلى اللجوء إلى حرق الوقود الثقيل بدلا من الغاز.

ونتيجة لذلك، أصبح التلوث الحضري سيئا للغاية لدرجة أن العديد من المدارس اضطرت في الشتاء الماضي إلى الإغلاق لفترات مؤقتة استمرت أحيانا لأكثر من 50 يوما.

وتنفق إيران الآن 6 مليارات دولار سنويا على استيراد البنزين بسبب التهريب والاستهلاك المفرط.

وغالباً ما تعترض البحرية الإيرانية (القوات النظامية والحرس الثوري) السفن التي تحمل بنزيناً مهرباً.

وهناك مزاعم بأن العديد من المسؤولين متورطون في التهريب، لكن لم تظهر أدلة واضحة تُذكر.

ويبدو أن معظم عمليات التهريب يقوم بها رجال أعمال، حيث إن الصورة النمطية الكلاسيكية للإيرانيين هي أن كثيراً منهم تجار نشطون.

ودفعت المخاوف من اندلاع احتجاجات مثل تلك التي وقعت في عام 2019 الحكومة إلى الحفاظ على استقرار سعر البنزين بالعملة المحلية لسنوات، حتى مع تفشي التضخم.

وأخيراً، اقترح الرئيس بيزشكيان رفع الأسعار قبل بضعة أشهر، ولكن فقط إلى مستويات لا تزال أقل من 5 في المئة مما يُدفع في البلدان المجاورة.

ومن الواضح أن تلك الأموال يمكن إنفاقها بشكل أفضل على تحسين الأوضاع المزرية للكهرباء والمياه بدلا من ذلك.

النظام ينفق أكثر مما يجني

لطالما أصرت إيران على أن أي اتفاق مع الولايات المتحدة يجب أن يتضمن تخفيفاً واسعاً من العقوبات. ومع ذلك، حتى لو افترضنا أن واشنطن وافقت بشكل غير متوقع على رفع جميع العقوبات عن إيران (وهو أمر مستبعد للغاية)، فإن بيئة الأعمال التي يسيطر عليها النظام الإيراني ستظل فاسدة اقتصادياً ومؤسسياً، وسيظل الأجانب عرضة للاعتقال التعسفي.

ويقول الباحث پاتريك كلاوسون في تقرير نشره معهد واشنطن إنه باختصار، لن تقنع الإجراءات الخارجية وحدها المستثمرين الأجانب بتوفير الأموال اللازمة لإصلاح قطاعات الكهرباء والمياه والغاز في البلاد.

وأدى الضغط الأميركي إلى قيام الحكومات والبنوك في عدة دول بتقييد وصول إيران جزئيا أو كليا إلى أصول بلغت في وقت ما 100 مليار دولار، معظمها من مبيعات النفط.

وتشير التقارير إلى أن واشنطن عرضت منح طهران حق الوصول إلى بعض تلك الأموال كجزء من اتفاق محتمل يشمل مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.

ومع ذلك، واجهت طهران مشاكل خطيرة في الاستفادة من عروض أميركية مماثلة في الماضي.

وكانت المؤسسات المالية لا تزال تشك في إيران، لأسباب ليس أقلها التحذيرات الصادرة عن فريق العمل المالي الدولي (FATF)، الذي خلص بشكل معقول إلى أن الجمهورية الإسلامية هي ولاية قضائية عالية المخاطر تنتشر فيها عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب

ويمثل التضخم في إيران ظاهرة نقدية – أي أن السبب الأساسي هو أن البنك المركزي الإيراني يتسامح (أو حتى يشجع) مع الزيادة السريعة في المعروض النقدي. والسبب الرئيسي لهذه الزيادة السريعة هو أن البنوك تقرض الحكومة مبالغ ضخمة لمشاريع تأمر بها الحكومة.

حتى لو افترضنا أن واشنطن وافقت بشكل غير متوقع على رفع جميع العقوبات عن إيران (وهو أمر مستبعد للغاية)، فإن بيئة الأعمال التي يسيطر عليها النظام الإيراني ستظل فاسدة اقتصادياً ومؤسسياً.

وبعبارة أخرى، تنفق الحكومة الإيرانية أكثر بكثير مما تجني، وتفعل ذلك بسبب المشاريع التي تفرضها، مثل الطرق ذات الرسوم التي تُبنى بتمويل من البنوك، أو عبر إنفاق يقوم به الحرس الثوري الإيراني.

ويهدف جزء من هذا الإنفاق الحكومي إلى منع الاحتجاجات المحتملة، وهو ما يفسر استمرار تخصيص مبالغ كبيرة لدعم استهلاك البنزين.

كما تشكو إيران من عقوبات الأمم المتحدة التي أعيد فرضها العام الماضي بعد أن استندت القوى الأوروبية إلى بند “العودة الفورية” في الاتفاق النووي لعام 2015، الذي ينص على إعادة فرض تلك العقوبات تلقائياً كلما اشتكى أحد الموقعين على الاتفاق من أن إيران لا تلتزم بأحكامه.

ومع ذلك، فإن عقوبات الأمم المتحدة لا تؤثر كثيراً نظراً لأن إيران لا تربطها علاقات تجارية كثيرة مع الدول الصناعية. فقبل إعادة فرض العقوبات، أبلغ الاتحاد الأوروبي عن واردات سنوية من إيران بقيمة 2 مليار دولار (نصفها سلع ونصفها خدمات) وصادرات بقيمة 5 مليارات دولار (80في المئة سلع، 20في المئة خدمات).

وحتى التجارة بين طهران وشريكها الاستراتيجي في موسكو تبقى صغيرة نسبياً، إذ بلغت الواردات الروسية 700 مليون دولار في عام 2023، في حين وصلت صادراتها إلى 1.5 مليار دولار.

ويعزى متوسط الانخفاض السنوي في قيمة العملة بنسبة 47 في المئة إلى حد كبير إلى التضخم، الذي بلغ متوسطه حوالي 40 في المئة سنوياً، وتفاقمه العجز الحكومي الهائل (الذي هو بدوره نتيجة لانخفاض عائدات النفط وارتفاع الإنفاق خارج الميزانية).

انهيار الناتج المحلي الإجمالي

تأتي هذه المشاكل الاقتصادية بعد عدة سنوات كانت فيها الأمور تسير بشكل جيد بالفعل. وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، شهد الناتج المحلي الإجمالي لإيران نموا بمعدل 4.4في المئة سنوياً في السنوات الخمس من 2020 إلى 2024. وبالمقارنة، سجلت الولايات المتحدة نمواً بمعدل 2.3في المئة سنوياً، بينما كانت الأرقام الأوروبية أقل من ذلك.

لكن في الآونة الأخيرة، أصبح الوضع أكثر صعوبة، حيث أفاد صندوق النقد الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي لإيران انكمش بنسبة 1.5 في المئة في عام 2025، وحتى قبل الحرب توقع الصندوق أنه سينخفض بنسبة 6.1 في المئة أخرى في عام 2026.

وبسبب الحرب، قد يتجاوز هذا الرقم 10 في المئة وستؤدي أضرار الحرب، التي تقدرها الحكومة الإيرانية بـ 270 مليار دولار (لا تشمل الأضرار التي لحقت بالمنشآت العسكرية)، إلى تفاقم الوضع بشكل كبير.

علاوة على ذلك، تعطلت بعض أهم المنشآت الاقتصادية الإيرانية، مثل المجمعات البتروكيماوية ومصانع الصلب، ودُمرت الجسور الرئيسية للطرق والسكك الحديدية. ومع ذلك، تعافت بعض البلدان التي مزقتها الحروب بشكل أسرع مما توقعه الكثيرون في البداية.

و خسر البلد، الذي خفض معدل البطالة من ذروة بلغت 14 في المئة في عام 2010 إلى 8 في المئة في عام 2025، الآن ما لا يقل عن مليون وظيفة بشكل مباشر نتيجة الحرب.

وإدراكاً لحدوث تسريح جماعي للعمال، تناقش الحكومة الإيرانية تقديم منح للشركات الصغيرة وقروضاً بنكية للشركات الكبيرة التي تحد من عدد العمال الذين تسرحهم.

ومع ذلك، يبدو أن هذه البرامج ستغطي التكاليف لبضعة أشهر على الأكثر، في حين تخشى العديد من الشركات أن يستمر انخفاض الطلب ومشاكل العرض لفترة أطول بكثير.

وكانت معدلات البطالة في انخفاض في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك في الغالب إلى الانخفاض الحاد في معدلات المواليد في التسعينيات، مما أدى إلى انخفاض عدد الأشخاص الذين ينضمون إلى القوى العاملة.

ومع ذلك، لا تزال مشاركة النساء في القوى العاملة منخفضة للغاية عند حوالي 10–12 في المئة، أو ثلث المستوى في المملكة العربية السعودية.

والآن، سيكون هناك ضغط كبير لطرد الأفغان؛ فقد تم طرد ما لا يقل عن 1.5 مليون شخص في العام الماضي، لكن ربما لا يزال هناك 2.5 مليون شخص، يمثلون جزءاً كبيراً من العمالة ذات الدخل المنخفض.

وقد حذر الاقتصادي الإيراني هادي كاهالزاده من أن 10 إلى 12 مليون وظيفة – أي حوالي نصف القوة العاملة الإيرانية – معرضة للخطر.

ومن المؤكد أن إيران تبدو مستعدة لمواصلة تصدير 1.5 مليون برميل من النفط يومياً، بما في ذلك ما يمكنها بيعه من مخزونها العائم الذي كان موجوداً قبالة السواحل الآسيوية عندما بدأت الحرب.

وسيكون سعر النفط أعلى هذا العام مقارنة بالعام الماضي. ومع ذلك، فإن العشرات القليلة من المليارات من الدخل الإضافي الذي قد تجنيه إيران من ارتفاع صادرات النفط لن تكفي حتى لتغطية جميع أضرار الحرب.

وحتى لو نجحت إيران في تحصيل رسوم قدرها 2 دولاراً للبرميل من تجديد تصدير 12 مليون برميل يومياً من النفط عبر مضيق هرمز، فإن ذلك سيظل يبلغ أقل من 9 مليارات دولار سنوياً (بالنظر إلى أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ستستمران في استخدام خطوط الأنابيب الخاصة بهما، متجنبَتين المضيق).

وبالطبع، من المهم أن نضع في اعتبارناً أن إيران صارت أقل اعتماداً على النفط مما كانت عليه في الماضي. ففي 1983-1984، أفاد صندوق النقد الدولي أن النفط شكل 98 في المئة من إجمالي صادرات البلاد. لكن في 2022-2023 ، أفادت إدارة الجمارك الإيرانية أن الصادرات غير النفطية بلغت 53 مليار دولار، وهو ما يزيد بشكل كبير عن مبيعات النفط.

ومن المسلم به أن هذا الرقم مشوّه لأن إيران، مثل الولايات المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، تصنف صادراتها من المكثفات التي تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات على أنها صادرات غير نفطية، على الرغم من أنها في الأساس نوع من النفط.

ومع ذلك، حتى لو تم استبعاد المكثفات، فإن الصادرات الإيرانية غير النفطية وحدها تقترب من مساواة إجمالي وارداتها البالغة 60 مليار دولار.

ويخضع إنتاج النفط لسيطرة الدولة بنسبة 100في المئة في الغالب من خلال شركة النفط الوطنية الإيرانية، بينما تأتي سوائل الغاز الطبيعي والمكثفات من خلال الشركات المنتجة للغاز الطبيعي.

كما تخضع الصادرات لرقابة صارمة من الدولة، التي تخفي القنوات التي تستخدمها من أجل التهرب من العقوبات بشكل أفضل.

وتستخدم إيران مجموعة من الشركات الوسيطة للمساعدة في هذا التهرب – وقد تبين أن بعضها كان يستنزف مبالغ كبيرة، مما أدى إلى عدة فضائح بمليارات الدولارات.

وعلاوة على ذلك، تتم نسبة كبيرة من عمليات التصدير، بحسب ما تقره السلطات، بواسطة كيانات يملكها أو يتحكم بها الحرس الثوري وحلفاؤه، مع عائدات تذهب مباشرة إلى الحرس بدلاً من المرور عبر ميزانية الدولة.

وتحقق الحكومة أيضاً مبالغ صغيرة من المبيعات المحلية للمنتجات النفطية، لكن الأسعار المنخفضة تبقي العائدات منخفضة جداً، وعادةً، لا تكفي عائدات المبيعات حتى لتغطية تكاليف التكرير والتوزيع.

وفي هذا السياق، تدعي الحكومة أن عائدات النفط أقل من عائدات الضرائب (حيث يمثل كل منهما حوالي 40–45 في المئة من الميزانية، مع أهمية عائدات الخصخصة أيضاً)، لكن هذا يقلل بشكل كبير من الأهمية المالية لعائدات النفط بالنظر إلى أن “الحرس الثوري” يحصل على مبالغ كبيرة من بيع النفط المخصص له.

وباختصار، كانت الأوضاع الاقتصادية في إيران سيئة قبل الحرب، لدرجة أن النظام لجأ إلى استخدام القوة المميتة لقمع الاحتجاجات التي نتجت عن ذلك (تعترف السلطات بقتل 3000 متظاهراً في 8 يناير، بينما تشير التقديرات الخارجية إلى أن عدد القتلى أعلى من ذلك بكثير).

ولن تؤدي الحرب إلا إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية. والسؤال الكبير هو كيف سيكون رد فعل الإيرانيين؟.

اضف تعليقك