(عاد/ موسكو) متابعات:
أعادت الحرب في الخليج، وما رافقها من اضطرابات في الملاحة البحرية والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، ملف الأمن الغذائي العالمي إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعدما بدأت تداعيات الصراع تتسلل تدريجيا إلى أسواق الغذاء والطاقة والأسمدة والشحن البحري.
وبينما حذّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من ارتفاع أسعار الغذاء العالمية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، تتزايد المخاوف من أن يتحول التوتر العسكري في المنطقة إلى عامل دائم في رفع كلفة الغذاء وتقليص فرص توفر المنتجات الأساسية في عدد من الدول المستوردة، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
ورغم أن الأسواق العالمية لم تصل بعد إلى مرحلة النقص الحاد في الإمدادات، فإن الخبراء يرون أن استمرار الحرب أو توسعها قد يدفعان الاقتصاد العالمي إلى موجة تضخم غذائي جديدة تشبه تلك التي أعقبت الحرب الروسية – الأوكرانية، مع فارق أساسي يتمثل في أن الخليج يمثل قلب تجارة الطاقة العالمية، بينما ترتبط صناعة الغذاء الحديثة عضويّا بأسعار الوقود والأسمدة والنقل البحري.
وقالت الفاو إن مؤشر أسعار الغذاء العالمي ارتفع في أبريل/نيسان إلى 130.7 نقطة، مدفوعا أساسا بارتفاع أسعار الزيوت النباتية نتيجة زيادة تكاليف الطاقة واضطراب الإمدادات بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز. لكن خلف هذه الأرقام تقف شبكة معقدة من التأثيرات الاقتصادية التي تمتد من المزارع إلى الموانئ وصولا إلى موائد المستهلكين.
مخاوف من أن تؤدي الحرب إلى موجة من “التضخم المستورد”، حيث تنتقل زيادات الأسعار العالمية بسرعة إلى الأسواق المحلية
ويبدو الارتفاع الحالي في أسعار الزيوت النباتية مؤشرا مبكرا على التحولات الأوسع داخل الأسواق الغذائية العالمية، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الإقبال على الوقود الحيوي المستخرج من الزيوت النباتية مثل زيت النخيل وفول الصويا ودوار الشمس، ما يرفع الطلب الصناعي عليها ويقلص الكميات المتاحة للاستهلاك الغذائي.
ولا يقتصر تأثير الحرب على أسعار الطاقة فقط، بل يمتد إلى حركة التجارة الدولية، خاصة أن مضيق هرمز يعد ممرا حيويا لعبور نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، إضافة إلى مرور سلع وبضائع غذائية باتجاه الأسواق الآسيوية والأفريقية. وقد أدى ارتفاع المخاطر الأمنية في المنطقة إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن البحري، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة.
وتخشى الدول المستوردة للغذاء أن يؤدي أي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة إلى تأخير وصول الشحنات الغذائية وارتفاع كلفة النقل، خصوصا بالنسبة إلى الحبوب والزيوت والسكر والأرز. وتبدو الدول العربية والأفريقية الأكثر عرضة لهذه التداعيات بسبب اعتمادها الكبير على الواردات الغذائية وضعف قدراتها الإنتاجية المحلية.
وفي هذا السياق تعود أزمة الأسمدة إلى الواجهة باعتبارها أحد أخطر التداعيات غير المباشرة للحرب. فصناعة الأسمدة تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، والخليج يمثل أحد أبرز مراكز إنتاج وتصدير الطاقة والمواد البتروكيميائية في العالم. ومع ارتفاع أسعار الغاز والطاقة، ترتفع تلقائيا تكاليف إنتاج الأسمدة، وهو ما ينعكس على أسعار المحاصيل الزراعية في مختلف أنحاء العالم.
ويحذر خبراء من أن أي اضطراب طويل في أسواق الأسمدة قد يؤثر على المواسم الزراعية المقبلة، خاصة في الدول النامية التي تعاني أصلا من ضعف القدرة على دعم المزارعين. فارتفاع أسعار الأسمدة يدفع العديد من المنتجين الزراعيين إلى تقليص استخدامها، ما يؤدي لاحقا إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية وتراجع المعروض الغذائي العالمي.
وتبرز هنا مفارقة لافتة، إذ إن العالم يحقق في الوقت نفسه مستويات قياسية من إنتاج الحبوب بحسب تقديرات الفاو التي رفعت توقعاتها لإنتاج الحبوب العالمي خلال 2025 إلى 3.040 مليار طن، بزيادة ستة في المئة عن العام الماضي. غير أن وفرة الإنتاج لا تعني بالضرورة استقرار الأسعار أو سهولة وصول الغذاء إلى الأسواق، لأن سلاسل الإمداد العالمية باتت شديدة الحساسية تجاه الأزمات الجيوسياسية والطاقة والشحن.
ويرى مراقبون أن المشكلة الحالية لا تكمن في نقص الغذاء بقدر ما تكمن في ارتفاع كلفة نقله وإنتاجه وتوزيعه، وهو ما يفسر الارتفاع المعتدل في أسعار الحبوب مقارنة بالقفزة الكبيرة في أسعار الزيوت النباتية والطاقة. فالمخزونات العالمية من الحبوب ما زالت توفر هامشا من الأمان، لكن استمرار التوترات قد يؤدي إلى استنزاف هذا الهامش تدريجيا.
كما أن الأسواق المالية تلعب دورا إضافيا في تغذية موجة الارتفاع، إذ تدفع المخاوف من اتساع الحرب المستثمرين إلى المضاربة على السلع الأساسية، ما يزيد من تقلب الأسعار. وغالبا ما تتأثر الأسواق الغذائية بالشائعات والتوقعات المستقبلية بقدر تأثرها بالعرض والطلب الفعليين.
ومن بين أكثر القطاعات تأثرا أيضا قطاع الثروة الحيوانية، لأن ارتفاع أسعار الحبوب والزيوت والأعلاف يرفع كلفة تربية الماشية والدواجن، ما يقود لاحقا إلى زيادة أسعار اللحوم والألبان والبيض. وهذا يعني أن تداعيات الحرب لن تظل محصورة في سلع محددة، بل قد تمتد إلى مختلف مكونات السلة الغذائية العالمية.
النظام الغذائي العالمي لا يزال يحتفظ بقدر من الصمود بفضل وفرة المحاصيل والمخزونات الحالية، غير أن هذا الصمود يظل مشروطا بعدم تحول الأزمة الخليجية إلى صراع طويل ومفتوح
وتواجه الحكومات تحديا مزدوجا يتمثل في احتواء التضخم الغذائي وضمان توفر المنتجات الأساسية في الأسواق المحلية. وقد بدأت بعض الدول بالفعل في مراجعة سياساتها المتعلقة بالمخزونات الإستراتيجية والدعم الغذائي وتنويع مصادر الاستيراد، تحسبا لأي اضطرابات أكبر في التجارة العالمية.
وتبدو الدول الفقيرة الأكثر هشاشة أمام هذه التطورات، لأن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والأسمدة يضغط مباشرة على ميزانياتها المحدودة، كما يرفع مخاطر الاضطرابات الاجتماعية. وغالبا ما تشكل أسعار الخبز والزيوت والمواد الأساسية عاملا حساسا في الاستقرار الداخلي للعديد من الدول النامية.
ويخشى اقتصاديون أن يؤدي استمرار الحرب إلى نشوء موجة جديدة من “التضخم المستورد”، حيث تنتقل زيادات الأسعار العالمية بسرعة إلى الأسواق المحلية، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد بالدولار وتعاني من ضعف عملاتها الوطنية.
وفي المقابل، ترى الفاو أن النظام الغذائي العالمي لا يزال يحتفظ بقدر من الصمود بفضل وفرة المحاصيل والمخزونات الحالية، غير أن هذا الصمود يظل مشروطا بعدم تحول الأزمة الخليجية إلى صراع طويل ومفتوح يهدد طرق التجارة والطاقة العالمية بشكل أوسع.
وتكشف الحرب في الخليج مرة أخرى مدى الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والأمن الغذائي العالمي، فأسعار الغذاء لم تعد ترتبط فقط بالمواسم الزراعية والأمطار، بل أصبحت رهينة أيضا للممرات البحرية وأسواق الطاقة والتوترات العسكرية. وبينما يملك العالم حاليا مخزونات كافية لتفادي أزمة غذاء شاملة، فإن استمرار الحرب قد يحول ارتفاع الأسعار المؤقت إلى أزمة هيكلية تطال الإنتاج والنقل والأسمدة وسلاسل التوريد، بما يجعل الأمن الغذائي أحد أبرز ضحايا الصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.























