(عاد/ واشنطن) متابعات:
منذ اللحظة التي غادرت فيها طائرة القوات الخاصة الأمريكية مطار كاراكاس، حاملة الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو إلى منفاه القسري في الثالث من يناير/ كانون الثاني، دخلت فنزويلا مرحلة سياسية جديدة اتسمت بإعادة تشكيل دقيقة لمراكز النفوذ داخل النظام.
في قلب هذه التحولات برزت ديلسي رودريغيز باعتبارها المهندسة الفعلية للمرحلة الانتقالية، مستفيدة من فراغ السلطة لإعادة ترتيب البيت التشافيزي وفق معادلة توازن بين استرضاء واشنطن وتحييد خصومها الداخليين، بحسب صحيفة التليغراف البريطانية.
ويعكس مصير اثنين من أبرز رموز النظام السابق طبيعة هذا التحول. فقد جرى تعيين الجنرال غوستافو غونزاليس لوبيز، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الفنزويلي، وزيراً للدفاع، رغم سجله المرتبط باتهامات واسعة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال قيادته جهاز “سيبين”.
في المقابل، أُلقي القبض على رجل الأعمال أليكس صعب، الذي ارتبط اسمه بشبكات التمويل غير الرسمية للنظام السابق، وسط مؤشرات إلى ترتيبات لتسليمه مجدداً إلى الولايات المتحدة.
وبين الترقية والسقوط، تتكشف استراتيجية رودريغيز في إعادة هندسة النظام من الداخل عبر تصفية مراكز القوى المرتبطة مباشرة بمادورو، دون المساس بالبنية العميقة للسلطة.
ديلسي رودريغيز الرئيسة الفنزويلية بالإنابة
هذه التحركات لم تقتصر على الرموز الأكثر شهرة، بل امتدت إلى دوائر أوسع داخل النخبة التشافيزية. فقد أُقيل المدعي العام السابق، وأوقِف عدد من رجال الأعمال الذين راكموا ثرواتهم عبر عقود حكومية مثيرة للجدل، كما أُلغيت امتيازات اقتصادية استفاد منها مقربون من عائلة مادورو.
إلا أن هذه الإجراءات، رغم طابعها الحاسم، لا تعني بالضرورة تفكيك النظام القديم بقدر ما تعكس عملية إعادة توزيع مدروسة للنفوذ داخل مكوناته. إنها، في جوهرها، محاولة لإعادة ترتيب الفصائل المتنافسة داخل المنظومة الحاكمة أكثر من كونها قطيعة معها.
المعضلة الأساسية التي تواجه رودريغيز تكمن في قدرتها على تسويق نفسها كوجه انتقالي جديد، رغم كونها إحدى أبرز شخصيات النظام السابق. فهي تسعى إلى الجمع بين خطاب إصلاحي موجه للخارج، خصوصاً للإدارة الأمريكية، وبين الحفاظ على أدوات السيطرة التقليدية في الداخل.
ويبدو أن رهانها الأساسي يقوم على إقناع واشنطن بأن الاستقرار وضمان تدفق الاستثمارات النفطية أهم من الدفع نحو انتقال ديمقراطي كامل، خاصة في ظل الاهتمام الأمريكي المتزايد بملفات دولية أكثر إلحاحاً.
على الصعيد الداخلي، تبدو ملامح هذا التوازن واضحة. فقد شهدت البلاد انفراجات محدودة، شملت الإفراج عن مئات المعتقلين السياسيين والسماح بهوامش احتجاج أوسع نسبياً، لكنها ظلت خطوات محسوبة لم تمس جوهر القبضة الأمنية.
فما زال المئات خلف القضبان، فيما تواصل الأجهزة الأمنية مراقبة المجال العام بإحكام. وفي الوقت ذاته، لا يزال الاقتصاد يعاني اختلالات عميقة، رغم محاولات الحكومة كبح التضخم وفتح قنوات تعاون أولية مع شركات طاقة أمريكية كبرى مثل شيفرون وشل.
غير أن التحدي الأخطر أمام رودريغيز يبقى مزدوجاً: فمن جهة، تواصل زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو الحفاظ على حضورها السياسي والدولي، ملوحة بإمكانية العودة إلى البلاد، ومن جهة أخرى، لا يزال وزير الداخلية النافذ ديوسدادو كابيلو يحتفظ بنفوذ واسع داخل المؤسسة الأمنية، ما يجعل أي محاولة لتقليص سلطته محفوفة بالمخاطر.
ومن ثم، تبدو فنزويلا اليوم أمام مشهد لا يعكس سقوط النظام بقدر ما يعكس تحوره. فخروج مادورو لم يؤد إلى تفكيك المنظومة، بل أفسح المجال أمام إعادة إنتاجها بوجوه جديدة وأساليب أكثر براغماتية.
وفي الوقت الذي يجري فيه تسويق هذه المرحلة باعتبارها بداية استقرار سياسي، يخشى كثيرون أن تكون مجرد عملية تجميل لسلطة قديمة تستعد لتمديد بقائها، بانتظار اختبار حاسم في انتخابات 2027.
























