«كاراكال» إلى رومانيا.. فرنسا تعيد رسم نفوذها شرق أوروبا

2026/05/02م

(عاد/ موسكو) متابعات:

وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وتسارع وتيرة إعادة التسلح داخل أوروبا، تحاول فرنسا تثبيت نفوذها في أسواق الدفاع داخل القارة العجوز، وخاصة في دول الشرق الأوروبي التي أصبحت محور الاهتمام الاستراتيجي.

اتجاه فرنسي تُرجم بصفقة عسكرية مع رومانيا، اعتبرها خبراء سياسيون فرنسيون متخصصون في الأمن الأوروبي، تمثل أكثر من مجرد تعاون دفاعي تقني، إلى كونها انعكاسًا لتحولات عميقة في بنية الأمن الأوروبي

ويرى الباحثون أن هذه الخطوة تندرج ضمن سباق أوروبي لإعادة توزيع النفوذ الدفاعي، حيث تتقاطع المصالح الصناعية مع الاعتبارات الاستراتيجية، وسط منافسة متزايدة بين القوى الأوروبية الكبرى، لا سيما فرنسا وألمانيا، إلى جانب الحضور الأمريكي.

كما تعكس الصفقة توجه الدول الشرقية، مثل رومانيا، نحو تنويع شراكاتها العسكرية وتعزيز قدراتها الدفاعية بشكل سريع وفعال، بما يتماشى مع التحديات الأمنية الجديدة.

تحول ببنية الأمن الأوروبي
وإلى ذلك، قال مدير مركز دراسات السياسات والأمن في باريس الباحث الفرنسي نيكولا تينزر، إن الصفقة المبرمة بين فرنسا ورومانيا لا يمكن فهمها فقط في إطار تعاون عسكري تقني، بل تمثل تعبيرًا واضحًا عن تحول أعمق في بنية الأمن الأوروبي.

وأوضح الباحث الفرنسي في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن أوروبا تعيش منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا حالة إعادة تعريف لمفهوم الردع، حيث لم يعد كافيًا الاعتماد على المظلة الأطلسية وحدها، بل أصبح من الضروري تطوير قدرات أوروبية مستقلة قادرة على التحرك بسرعة وفعالية.

وفسر تينزر توجه رومانيا نحو فرنسا، باعتباره «اختيارًا يعكس الثقة في شريك أوروبي قادر على الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والإرادة السياسية في الانخراط الأمني داخل شرق أوروبا».

وأكد الباجث السياسي الفرنسي أن البعد الصناعي، خاصة ما يتعلق بإمكانية التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا، لعب دورًا حاسمًا في ترجيح كفة العرض الفرنسي، لأنه يمنح رومانيا هامشًا أكبر من الاستقلال الاستراتيجي على المدى الطويل.

بدوره، قال الباحث الفرنسي دومينيك مويزي، المستشار في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن هناك علاقة مباشرة بهذه الصفقة والتنافس داخل أوروبا نفسها، وليس فقط مع القوى الخارجية.

وأوضح أن ما يحدث اليوم هو إعادة توزيع للأدوار بين الدول الأوروبية الكبرى، حيث تحاول كل من فرنسا وألمانيا تثبيت نفوذها في أسواق الدفاع داخل القارة، خصوصًا في دول الشرق الأوروبي التي أصبحت محور الاهتمام الاستراتيجي.

واعتبر مويزي أن اختيار رومانيا لفرنسا في هذا المجال لا يعني بالضرورة تبني رؤية فرنسية للأمن الأوروبي بقدر ما يعكس براغماتية سياسية؛ إذ تسعى بوخارست إلى تنويع شراكاتها العسكرية وعدم الارتهان لطرف واحد.

وأشار الباحث الفرنسي إلى أن باريس نجحت في تقديم عرض يجمع بين الكفاءة العملياتية والمرونة في الاستخدام، وهو ما يتناسب مع التحديات الأمنية التي تواجهها رومانيا على حدودها مع أوكرانيا.

تنافس أوروبي
وفي نظره، فإن هذه الصفقة تجسد شكلًا من «الأمن الأوروبي التنافسي»، حيث يتقاطع التعاون مع التنافس داخل إطار واحد، في ظل غياب نموذج موحد تمامًا للدفاع الأوروبي.

وذكرت مجلة «فورام ميليتير» العسكرية الفرنسية، أن باريس نجحت رغم احتدام المنافسة الأوروبية وتقدم ألمانيا في سوق التسليح، في إبرام صفقة عسكرية تتجاوز قيمتها مليار يورو مع رومانيا، تتضمن بشكل أساسي تزويدها بـ12 مروحية من طراز H225M “كاراكال”.

تأتي هذه الصفقة في إطار برنامج أوروبي واسع لإعادة تسليح الدول الأعضاء، في ظل تصاعد التوترات الأمنية في القارة.

فرنسا وبيع الأسلحة
وتشهد رومانيا حاليًا عملية تحديث شاملة لقدراتها العسكرية بفضل برنامج «الإجراء الأمني من أجل أوروبا»، وهو آلية أوروبية ضخمة تبلغ ميزانيتها 150 مليار يورو، تهدف إلى تسريع وتيرة التسلح دون انتظار الإجراءات البيروقراطية الطويلة المرتبطة بالدورات المالية التقليدية.

وفي هذا السياق، صادق البرلمان الروماني، في نهاية أبريل/نيسان، على شراء 12 مروحية «كاراكال» من شركة «إيرباص هليكوبترز» بقيمة 852 مليون يورو، عبر المديرية العامة للتسليح. وتحصل رومانيا ضمن هذا البرنامج على نحو 16.6 مليار يورو، ما يجعلها من أكبر المستفيدين، وقد بادرت بالفعل إلى تفعيل هذه الموارد دون تردد.

سلاح متعدد المهام
تعد مروحية H225M “كاراكال” منصة عسكرية متطورة متعددة الاستخدامات، قادرة على تنفيذ طيف واسع من المهام في بيئات قتالية معقدة، فهي تستطيع نقل ما يصل إلى 28 جنديًا مجهزين بالكامل، والعمل ليلًا ونهارًا، والانطلاق من البر أو البحر، إضافة إلى تنفيذ مهام متنوعة دون الحاجة إلى إعادة تجهيز معقدة.

وتتميز هذه المروحية بقدرتها على تنفيذ عمليات متتالية في وقت قصير، مثل إنزال القوات خلف خطوط العدو، ثم العودة لإجلاء الجرحى، قبل الانطلاق مجددًا في مهام إنقاذ، بفضل مدى عملياتي يتجاوز 800 كيلومتر، أي ما يعادل رحلة مباشرة بين باريس وميلانو دون توقف.

وأوضحت المجلة الفرنسية أن هذا المستوى العالي من المرونة والتكنولوجيا يأتي بتكلفة مرتفعة؛ إذ يتراوح سعر المروحية الواحدة بين 60 و70 مليون يورو، مقارنة بنحو 21 مليون يورو فقط لمروحية “بلاك هوك” الأمريكية، ما يعكس الفارق في القدرات التقنية.

وتتميز المروحية بمحركات قوية من طراز صافران ماكيلا، وسرعة تصل إلى أكثر من 320 كم/س، وقدرة تحمّل تصل إلى 10 ساعات مع التزود بالوقود جوًا. كما تضم أنظمة متقدمة للملاحة والقيادة الرقمية، وأجهزة استشعار حرارية، وأنظمة حماية إلكترونية متطورة، فضلًا عن إمكانية تزويدها بأسلحة مختلفة وفق احتياجات المستخدم.

أسطول روماني متقادم وحاجة ملحّة للتحديث
يأتي هذا الاستثمار العسكري في سياق حاجة ملحّة لدى رومانيا لتحديث أسطولها الجوي، إذ لا تزال تعتمد على نحو 57 مروحية من طراز “بوما”، تم تصنيعها بترخيص محلي منذ سبعينيات القرن الماضي.

ورغم متانة هذه المروحيات، فإنها باتت غير قادرة على مواكبة متطلبات الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق بدمج أنظمة الاستشعار المتقدمة، ووسائل الاتصال الآمنة، وتقنيات الحرب الإلكترونية. وبالتالي، لم تعد هذه المعدات تتوافق مع معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وتزداد أهمية هذا التحديث بالنظر إلى موقع رومانيا الجغرافي، حيث تشترك بحدود طويلة مع أوكرانيا، تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، ما يجعلها في تماس مباشر مع منطقة نزاع نشطة، ويحول مسألة التحديث العسكري إلى أولوية استراتيجية.

صفقة لصالح فرنسا… لكن الهيمنة لألمانيا
ورغم أن صفقة “كاراكال” تمثل مكسبًا مهمًا للصناعة الدفاعية الفرنسية، فإن الحصة الأكبر من برنامج التسليح الأوروبي تذهب إلى ألمانيا. فمن بين 8.3 مليار يورو من العقود التي أُقرت في المرحلة الأولى من برنامج SAFE، حصلت شركة “راينميتال” الألمانية على نحو 70% من الإجمالي.

وتشمل العقود الألمانية تزويد رومانيا بـ232 مدرعة من طراز “لينكس” بقيمة 2.6 مليار يورو، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي، وبرامج بحرية، وذخائر.

في المقابل، نجحت فرنسا في تأمين موطئ قدم مهم عبر شركتي “إيرباص” في مجال المروحيات، و”تاليس” التي حصلت على عقد بقيمة 258 مليون يورو لتزويد رومانيا برادارات متطورة من طراز 200 جراوند ماستر.

كما تشمل الصفقات الأخرى شركات أمريكية ونرويجية، ما يعكس شدة المنافسة الدولية على سوق التسليح في أوروبا الشرقية.

ما بعد 2030: رهانات صناعية وفرص توسع
ولا تقتصر طموحات رومانيا على الصفقة الحالية، إذ تخطط لشراء نحو 30 مروحية إضافية بعد عام 2030، بقيمة تقديرية تصل إلى ملياري يورو.

ومن المتوقع أن يتم تصنيع هذه المروحيات محليًا في مدينة براشوف، داخل مصنع أنشأته “إيرباص” عام 2016 بالتعاون مع الشركة الرومانية “آي إيه آر” ما يشير إلى انتقال تدريجي من منطق الاستيراد إلى بناء قاعدة صناعية محلية، مع ما يرافق ذلك من خلق وظائف ونقل للتكنولوجيا.

إعادة تشكيل خريطة الدفاع الأوروبية
ومنذ عام 2022، تسارعت وتيرة التحديث العسكري في دول أوروبا الشرقية بشكل غير مسبوق، حيث تعمل هذه الدول على استبدال المعدات السوفيتية القديمة بأنظمة غربية حديثة، غالبًا بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي.

وقد أدى ذلك إلى اشتداد المنافسة بين الشركات الأوروبية، إلى جانب دخول قوي للولايات المتحدة في هذا السوق. وفي هذا السياق، تتمتع فرنسا بميزة مهمة تتمثل في امتلاكها سلسلة صناعية دفاعية متكاملة قادرة على تلبية معظم الاحتياجات العسكرية.

ومع ذلك، تزداد حدة المنافسة في ما يشبه “سباق التسلح نحو الشرق”، حيث لن تُحسم المعركة فقط بالتفوق التكنولوجي، بل أيضًا بالقدرة على الإنتاج السريع والكثيف، وتوطين الصناعات داخل الدول المستفيدة.

اضف تعليقك