أصداء الحرب الأهلية تتردد في لبنان مع استمرار الانقسامات الداخلية

2026/04/22م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

لا تبدو المخاوف في لبنان اليوم مجرد استدعاء عابر لذاكرة الحرب الأهلية، بل تعبيراً عن قلق متجدد من قابلية التاريخ لإعادة إنتاج نفسه بصيغ مختلفة. فالتوترات التي تتصاعد في الخطاب السياسي، والانقسامات التي تتعمق بين المكونات الطائفية، والتداخل المتزايد بين العوامل الداخلية والإقليمية، كلها تعيد رسم مشهد مألوف للبنانيين، حتى وإن اختلفت أدواته. وبينما لا تقف البلاد على حافة حرب شاملة بالمعنى التقليدي، فإنها تتحرك داخل منطقة رمادية تتسم بـ”اللااستقرار المنضبط”، حيث تتراكم عناصر الانفجار دون أن تجد طريقها إلى تسوية حقيقية.

تعود إلى الواجهة في لبنان خلال المرحلة الراهنة مخاوف متزايدة من عودة التوترات الداخلية، في ظل استمرار الانقسامات السياسية والطائفية، وتداخل الأزمات الإقليمية مع الواقع اللبناني الهش. هذه المخاوف لا تنبع فقط من التطورات الآنية، بل من طبيعة البنية السياسية نفسها، التي لم تشهد منذ نهاية الحرب الأهلية إعادة تأسيس حقيقية تقوم على عقد اجتماعي جامع، بل استمرت في إدارة التوازنات عبر تسويات مرحلية.

وتستحضر هذه المخاوف بشكل متكرر ذاكرة الحرب الأهلية التي امتدت بين عامي 1975 و1990، والتي ما زالت آثارها حاضرة في بنية الدولة والمجتمع، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على انتهائها. فالكثير من القضايا التي كانت في صلب الصراع آنذاك، مثل هوية الدولة، وتوازن السلطة، والسلاح خارج المؤسسات، لم تُحل جذريا بل جرى احتواؤها ضمن صيغة سياسية هشة.

لبنان اليوم لا يعيش تكرارا حرفيا لماضيه، لكنه يعيش في ظله. فذاكرة الحرب الأهلية لم تتحول إلى درس مكتمل بقدر ما بقيت جرحا مفتوحا، يُستدعى عند كل أزمة دون أن يُعالج

وتتغذى هذه المخاوف من تطورات أمنية وسياسية متسارعة، أبرزها تداعيات الحرب الأخيرة التي اندلعت في 2026 بين إسرائيل وحزب الله، وما رافقها من تصعيد عسكري على الحدود الجنوبية للبنان، إضافة إلى موجات نزوح داخلية وضغوط اقتصادية متزايدة. هذه التطورات لم تقتصر آثارها على الجانب الأمني، بل أعادت أيضاً فتح ملفات خلافية عميقة تتعلق بدور لبنان في الصراعات الإقليمية وحدود سيادته الفعلية.

ورغم أن وقف إطلاق النار المؤقت ساهم في خفض حدة العمليات العسكرية، فإنه لم ينجح في معالجة جذور الأزمة، إذ بقيت القضايا الأساسية دون تسوية واضحة، وفي مقدمتها مسألة احتكار الدولة للسلاح، ودور القوى المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية. هذه الإشكالية تمثل أحد أبرز خطوط الانقسام الداخلي، حيث تختلف الرؤى حول تعريف مفهوم “السيادة” وحدودها.

ويخشى مراقبون إمكانية أن يبقي استمرار هذا الوضع غير المحسوم البلادَ في حالة “هدوء هش”، يمكن أن ينهار بسرعة تحت تأثير أي صدمة سياسية أو أمنية، سواء كانت داخلية أو مرتبطة بتطورات إقليمية. فالتجربة اللبنانية تظهر أن الانفجارات الكبرى غالباً ما تسبقها مراحل طويلة من التوتر المتراكم غير المعالج.

وفي هذا السياق تتزايد الإشارات من داخل المجتمع اللبناني إلى وجود أوجه تشابه بين المرحلة الحالية والمرحلة التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. آنذاك، لم تكن الحرب نتيجة حدث مفاجئ بقدر ما كانت حصيلة تراكمات سياسية وطائفية واقتصادية، ترافقت مع تصاعد في الخطاب التحريضي وانعدام الثقة بين المكونات المختلفة. واليوم، يرى كثيرون أن بعض هذه المؤشرات تعود إلى الظهور، وإن في سياقات مختلفة.

وتشير شهادات عدد من الذين عاشوا الحرب الأهلية أو وثّقوها إلى أن ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان مشاهد من الماضي، ليس بالضرورة من حيث المواجهات المسلحة، بل من حيث ديناميكيات الانقسام وتآكل الشعور بالانتماء الوطني المشترك. فغياب مصالحة حقيقية بعد الحرب، والاكتفاء بتسويات سياسية فوقية، جعلا المجتمع عرضة لإعادة إنتاج الانقسامات نفسها عند كل أزمة.

ويبرز في هذا السياق عامل حزب الله بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني. فبينما يعتبره جزء من اللبنانيين قوة مقاومة لعبت دوراً محورياً في مواجهة إسرائيل، ينظر إليه آخرون كفاعل مسلح خارج سلطة الدولة، وامتداد لتوازنات إقليمية تتجاوز الإطار الوطني. هذا التباين في الرؤية لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، حيث يعمق الفجوة بين المكونات المختلفة.

وينعكس هذا الانقسام بشكل مباشر على النقاش حول مستقبل الدولة اللبنانية، خاصة في ما يتعلق بمفهوم احتكار السلاح وبناء مؤسسات قادرة على فرض سيادتها على كامل الأراضي. وفي ظل غياب توافق وطني شامل حول هذه القضايا، تبقى أي محاولة لمعالجتها محفوفة بالمخاطر، وقد تؤدي إلى ردود فعل تزيد من حدة التوتر.

وتزداد حساسية هذا الملف في ظل الحديث المتكرر عن إمكانية إدخال تغييرات تدريجية على معادلة السلاح، سواء من خلال ترتيبات داخلية أو ضغوط خارجية. غير أن غياب الثقة بين الأطراف المختلفة، والخشية من اختلال التوازنات، يجعلان أي خطوة في هذا الاتجاه موضع جدل واسع، وربما توتر مفتوح.

لبنان يشهد استقطابا سياسيا وطائفيا، ينعكس في الخطاب العام والتفاعلات الاجتماعية اليومية، وسط هشاشة اقتصادية ومؤسساتية عميقة

وفي موازاة ذلك تشهد الساحة اللبنانية حالة من الاستقطاب المتزايد بين المكونات السياسية والطائفية، ينعكس بوضوح في الخطاب الإعلامي وفي التفاعلات اليومية. فقد أصبح الانقسام جزءاً من الحياة العامة، حيث تتراجع المساحات المشتركة لصالح هويات فرعية أكثر انغلاقاً.

كما أن الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ سنوات تلعب دوراً محورياً في تعميق هذه الانقسامات. فقد أدى الانهيار المالي إلى تراجع حاد في مستوى المعيشة، وانهيار الخدمات الأساسية، وتآكل الثقة بالمؤسسات. هذا الواقع لا يخلق فقط حالة من الإحباط، بل يزيد أيضاً من قابلية المجتمع للتوتر، خاصة في ظل غياب أفق واضح للحل.

وتاريخيّا، يشير الكثير من اللبنانيين إلى أن الحرب الأهلية لم تكن نتيجة سبب واحد، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من الأزمات، قبل أن تنفجر بشكل واسع. واليوم، يبدو أن بعض هذه العوامل تعود إلى التشكل مجدداً، من دون وجود آليات فعالة لاحتوائها أو معالجتها جذريا.

وفي هذا الإطار يرى محللون أن لبنان يعيش حالة “استقرار غير مكتمل”، حيث يتم تأجيل الأزمات بدلاً من حلها، وإدارة التوازنات بدلاً من إعادة بنائها. هذه الحالة قد تمنع الانفجار على المدى القصير، لكنها تبقي احتماله قائماً على المدى الطويل.

وبينما لا توجد مؤشرات حاسمة على عودة حرب أهلية شاملة، فإن البيئة السياسية والاجتماعية تبدو قابلة للاشتعال، في ظل تداخل عوامل داخلية وإقليمية معقدة. فلبنان لم يعد ساحة داخلية فقط، بل بات جزءاً من شبكة صراعات أوسع، تزيد من هشاشته وتحد من قدرته على التحكم في مساره.

في المحصلة، لا يعيش لبنان اليوم تكرارا حرفيا لماضيه، لكنه يعيش في ظله. فذاكرة الحرب الأهلية لم تتحول إلى درس مكتمل بقدر ما بقيت جرحا مفتوحا، يُستدعى عند كل أزمة دون أن يُعالج. وبين استقرار هش وانقسام عميق، يظل البلد معلقاً بين احتمالات متعددة، أبرزها استمرار إدارة الأزمات دون حلها، أو الانزلاق نحو مواجهات محدودة تعيد إنتاج الماضي بأشكال جديدة. وفي غياب مشروع وطني جامع يعيد تعريف الدولة وعلاقتها بمواطنيها، تبقى أصداء الحرب أكثر من مجرد ذكرى، بل احتمالا قائما في أي لحظة.

اضف تعليقك