بعد مرور أكثر من أسبوع على ما اعتبره خبراء الطاقة أكبر صدمة في إمدادات الطاقة في التاريخ الحديث، بدأت الأسواق المالية العالمية تدرك تدريجيا حجم التهديد الذي تشكله الحرب مع إيران على الاقتصاد الدولي.
ومع تصاعد التوترات العسكرية، قفزت أسعار النفط إلى مستويات قياسية قبل أن تتراجع لاحقا، في حين تكبدت أسواق الأسهم حول العالم خسائر كبيرة.
ولا تبدو نهاية هذه الأزمة في الأفق. فالولايات المتحدة لا تزال متمسكة بمطلبها المتمثل في “استسلام إيران غير المشروط”، حتى في الوقت الذي اختارت فيه طهران مرشدا أعلى جديدا يُعتقد على نطاق واسع أنه يحمل مواقف أكثر تشددا من والده.
وفي ظل هذا المشهد، باتت الصعوبات الاقتصادية جزءا أساسيا من التوقعات للأشهر المقبلة، سواء بالنسبة للاقتصادات المتقدمة أو الناشئة، مع الارتفاع المتواصل في أسعار النفط والغاز الطبيعي والأسمدة والمنتجات البتروكيماوية.
وفي خضم هذه التطورات، يبدو أن الرابح الاقتصادي الوحيد الواضح حتى الآن من الحرب التي يخوضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو روسيا.
وشهدت موسكو بالفعل تخفيفا جزئيا لبعض العقوبات المفروضة عليها، إلى جانب ارتفاع عائداتها النفطية وزيادة الطلب العالمي على صادراتها من الخام، بعد أن كانت تخضع لقيود صارمة.
وقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد خلال التداولات الليلية في الأسواق العالمية، حيث لامست الأسعار مستوى قياسيا بلغ 120 دولارا للبرميل، قبل أن تتراجع لاحقا بعد تقارير أفادت بأن دول مجموعة السبع ستجتمع يوم الاثنين لمناقشة إطلاق أكبر عملية طارئة للاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في التاريخ.
ومع ذلك، قررت دول مجموعة السبع في نهاية المطاف عدم اللجوء إلى استخدام المخزونات الطارئة في الوقت الحالي، رغم أن هذا الوضع يبقى الغرض الأساسي الذي أُنشئت من أجله هذه الاحتياطيات. لكن مجرد الحديث عن احتمال اتخاذ استجابة منسقة ساهم في تهدئة مخاوف الأسواق جزئيا.
ومن المقرر أن تعقد المجموعة اجتماعا جديدا يوم الثلاثاء لمناقشة إمكانية تنفيذ هذه الخطوة، وهو إجراء يحظى بدعم كل من الولايات المتحدة واليابان.
ويقول الكاتب المتخصص في الجغرافيا الاقتصادية والطاقة كيث جونسون في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي إن مشكلة ارتفاع أسعار النفط لا يمكن اختزالها في تقلبات الأسواق فقط، فهي تتسم بثلاثة أبعاد رئيسية يصعب إيجاد حلول بسيطة لها.
ويتمثل البعد الأول في أن الإفراج المنسق عن جزء كبير من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لدول مجموعة السبع لن يكون سوى حل مؤقت.
وقد ناقشت هذه الدول بالفعل إمكانية الإفراج عما يتراوح بين 300 و400 مليون برميل من إجمالي احتياطياتها التي تبلغ نحو 1.2 مليار برميل. لكن حتى لو تقرر تنفيذ هذه الخطوة، فإنها لن تعالج السبب الجذري للأزمة، فالمشكلة الأساسية تكمن في اختفاء جزء ضخم من إمدادات النفط العالمية من السوق، وبقاء عودة هذا الجزء قريبا أمرا غير مرجح، خاصة في ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، إلى جانب قرار عدد من كبار المنتجين، مثل العراق، خفض إنتاجهم النفطي نتيجة نفاد القدرة التخزينية.
السؤال الأهم الذي يشغل الأسواق اليوم يتعلق بموعد فتح مضيق هرمز. إدارة ترامب لا تملك حتى الآن إجابة واضحة عن هذا السؤال، رغم أن إعادة فتح المضيق تمثل الشرط الأساسي لعودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية.
ولتوضيح حجم هذا التحول المفاجئ في السوق، أشارت شركة “كليرفيو إنرجي بارتنرز” الاستشارية المتخصصة في قطاع الطاقة، في مذكرة بحثية، إلى أن العالم انتقل خلال أسبوع واحد فقط من حالة فائض كبير في الإمدادات النفطية إلى مواجهة نقص حاد في المعروض.
وتتوقع المؤسسة أن يبلغ العجز العالمي في الإمدادات نحو 3 ملايين برميل يوميا خلال شهر مارس، على أن يرتفع إلى نحو 7 ملايين برميل يوميا في أبريل. ويعني ذلك أن مجرد سد هذا النقص سيتطلب استنزاف نحو 300 مليون برميل من مخزونات النفط الخام العالمية.
ويرجع هذا النقص الكبير في الإمدادات إلى عاملين رئيسيين. العامل الأول يتمثل في عدم قدرة ناقلات النفط على عبور مضيق هرمز بسبب المخاوف الأمنية، حيث شهد المضيق أكثر من اثنتي عشرة حادثة وهجوما على الملاحة البحرية منذ اندلاع الحرب.
وأما العامل الثاني فهو الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين البحري. ويُذكر أن إيران تستطيع تعطيل حركة الملاحة بتكلفة منخفضة نسبيا، بغض النظر عن الحلول المقترحة لتأمين السفن أو الخطط المطروحة لتنظيم عمليات مرافقة بحرية.
وأكّد ماثيو ريد، نائب رئيس شركة “فورين ريبورتس” الاستشارية المتخصصة في شؤون الطاقة في الشرق الأوسط، أن السؤال الأهم الذي يشغل الأسواق اليوم يتعلق بموعد فتح مضيق هرمز.
وذكر أن إدارة ترامب لا تملك حتى الآن إجابة واضحة عن هذا السؤال، رغم أن إعادة فتح المضيق تمثل الشرط الأساسي لعودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية.
وإلى جانب ذلك، انطلق كبار منتجي النفط في تقليص إنتاجهم مع امتلاء مرافق التخزين.
وكان العراق أول من اتخذ هذه الخطوة، ثم تبعته كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة، فيما تشير التقارير إلى أن البحرين والسعودية قد تسيران في الاتجاه نفسه.
وبسبب هذه التطورات، توقفت بالفعل ملايين البراميل من النفط التي كانت تُضخ يوميا إلى الأسواق العالمية.
ويحذر الخبراء من أن استمرار عمليات الإغلاق لفترة تتجاوز بضعة أسابيع قد يؤدي إلى إلحاق أضرار دائمة بالآبار النفطية، بما قد يقلل من القدرة الإنتاجية المستقبلية.
ويتواصل في الأثناء التصعيد العسكري في المنطقة. وشهدت عطلة نهاية الأسبوع هجمات إيرانية استهدفت منشآت مدنية ومحطات تحلية المياه في دول خليجية مجاورة، بينما ضربت إسرائيل مستودع وقود رئيسي قرب طهران.
كما اعترضت تركيا صاروخا إيرانيا ثانيا، وتعرضت مصفاة البحرين الوحيدة لهجوم جديد، في حين أعلنت السعودية اعتراض هجمات إيرانية استهدفت حقول النفط في شرق المملكة يوم الاثنين.
وأشار ريد إلى أن الأسواق لا تُسعّر فقط نقص الإمدادات الحالية، بل تأخذ أيضا في الحسبان مستوى المخاطر المتصاعد. فالقوات الإيرانية تحاول بالفعل استهداف منشآت الطاقة في منطقة الخليج، وإذا نجحت في إصابة أي هدف رئيسي، فإن الأسعار قد تقفز إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
ورغم كل هذه العوامل، يبقى التحدي الأساسي هو تأمين حركة العبور عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المتداول عالميا كل يوم.
وقد انخفضت حركة العبور عبر المضيق بشكل حاد منذ بداية الحرب، من نحو 100 سفينة يوميا إلى ما بين سفينتين وثلاث سفن فقط، وغالبا ما تكون هذه السفن ناقلات نفط إيرانية أو سفنا أخرى مستعدة لتحمل المخاطر المرتبطة بالإبحار في هذه المنطقة المتوترة.
ولا يبدو أن عرض الولايات المتحدة تقديم دعم تأميني جزئي، إلى جانب وعود بتوفير مرافقة بحرية مستقبلية، قادرا على طمأنة شركات الشحن، فهي لن تستأنف عملياتها الطبيعية ما لم تضمن سلامة الملاحة بشكل كامل.
وما لم تستأنف حركة الملاحة البحرية بشكل طبيعي، ستبقى أسعار النفط، والاضطرابات التي تُصيب قطاعات أخرى، وخاصة الزراعة، مرتفعة.
استمرار عمليات الإغلاق لفترة تتجاوز بضعة أسابيع قد يؤدي إلى إلحاق أضرار دائمة بالآبار النفطية، بما قد يقلل من القدرة الإنتاجية المستقبلية.
وقد صرح ترامب يوم الأحد بأن على شركات الشحن أن “تتحلى ببعض الشجاعة” وتعبر مضيق هرمز، مؤكدا أن الولايات المتحدة دمرت فعليا البحرية الإيرانية. غير أن التهديد الرئيسي للملاحة في المنطقة لا يتمثل في السفن الحربية الإيرانية، بل في الطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام البحرية والزوارق السريعة الهجومية.
وأكد ريد أن التأمين ليس سوى جزء من المشكلة، حيث يتعين على شركات الشحن أيضا تسجيل رحلاتها وإبلاغ طواقمها بأنهم سيخاطرون بحياتهم لنقل النفط عبر المضيق.
وذكر أنه حتى لو أعلن ترامب النصر في اليوم التالي، فلن يغير ذلك شيئا بالنسبة لهذه الشركات، لأن ما تحتاج إليه الأسواق هو إعلان واضح من إيران بوقف إطلاق النار.
وقد بدأت تداعيات الأيام التسعة الأولى من الحرب تظهر بالفعل على المستهلكين في الولايات المتحدة، حيث ارتفعت أسعار البنزين والديزل بشكل ملحوظ. لكن التأثير يبدو أشد في آسيا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز الطبيعي القادمين من دول الخليج.
ومع ذلك، فإن أوروبا قد تكون الطرف الأكثر تضررا، حيث ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في بلدان القارة العجوز بالتوازي مع ارتفاع أسعار النفط، إلى درجة دفعت بعض صناع القرار إلى التفكير مجددا في استئناف تجارة الطاقة مع روسيا.
وفي تطور لافت، عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الاثنين تزويد القارة الأوروبية بالنفط والغاز إذا لزم الأمر.
وجاء ذلك بعد أيام فقط من تهديده بقطع إمدادات الغاز المتبقية إلى أوروبا، في ظل النقص الحاد الذي تواجهه المنطقة فجأة في إمدادات الطاقة.
وبهذا، تبدو روسيا وكأنها تحقق مكاسب في الحرب المرتبطة بإيران، حتى لو لم تحقق النتيجة نفسها في الحرب المرتبطة بأوكرانيا. فارتفاع أسعار النفط العالمية لا يؤدي فقط إلى زيادة سعر خام الأورال الروسي، بل يعزز أيضا إيرادات الدولة الروسية.
كما أن توقف شحنات النفط القادمة من الخليج جعل النفط الروسي سلعة مطلوبة بشدة في الأسواق العالمية.
وقد حصلت الهند، التي واجهت سابقا ضغوطا كبيرة من إدارة ترامب بسبب شرائها النفط الروسي بأسعار مخفضة وفرضت عليها واشنطن رسوما جمركية بنسبة 50 في المائة، على استثناء يسمح لها باستيراد الخام الروسي الذي كان عالقا في البحر بسبب العقوبات. بل إن خام الأورال الروسي، الذي كان يُباع سابقا بخصم كبير مقارنة بالأسعار العالمية، بات يُتداول الآن بسعر أعلى لأنه يمثل المصدر الذي يمكنه الوصول إلى الأسواق في ظل القيود المفروضة على الشحن من الخليج.
وفي هذا السياق، ألمح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى إمكانية تخفيف بعض العقوبات المفروضة على روسيا كوسيلة للتخفيف من أزمة نقص النفط العالمية الناتجة عن الحرب مع إيران.
كما تدرس الإدارة الأميركية إجراءات إضافية لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، من بينها منح استثناءات من قانون جونز، وهو تشريع يلزم شركات الشحن داخل الولايات المتحدة باستخدام سفن أميركية الصنع والملكية والرفع والتشغيل، وهو شرط يزيد من تكاليف النقل على المستهلكين، خاصة في مناطق مثل الساحل الشرقي.
وقبل أكثر من شهر بقليل، كانت روسيا تواجه أزمة اقتصادية حادة بسبب الانخفاض المستمر في عائدات الوقود الأحفوري خلال أربع سنوات من العقوبات متزايدة الصرامة. ومع ذلك، ورغم أن بعض المحللين يرون أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط قد لا يكون كافيا لإنقاذ الميزانية الروسية التي تعاني عجزا كبيرا، فإن هذه الطفرة في الأسعار تمثل بلا شك شريان حياة مؤقتا للكرملين في لحظة جيوسياسية بالغة التعقيد.
























