في لبنان، حيث تقطعت السبل بأكثر من 300 ألف شخص بدون منازل تأويهم، تستقبل مراكز إيواء أعدادا من النازحين تفوق سعتها الاستيعابية مع فرار موجات من العائلات بحثا عن الأمان.
وفي مناطق النزاع كالسودان وميانمار، تتسبب صدمات سوق النفط جراء الحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية في إيران في ارتفاع تكاليف البرامج الإنسانية التي توفر الغذاء والماء والدواء والمأوى، فيما تتواجد حاويات المساعدات المنقذة للحياة بدون استخدام في دبي.
وقال المحلل السياسي سام فيجرسكي ، وهو زميل في الشؤون الدولية في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في تقرير نشره المجلس، إنه بينما تتصاعد الحرب في الشرق الأوسط، بدأت تصبح التداعيات الإنسانية، المباشرة والمتعاقبة أكثر وضوحا.
وبالنسبة للعاملين في مجال الإغاثة الذين يعانون بالفعل من نقص التمويل والتهديدات، يلوح في الأفق سؤال واحد: إلى أي مدى سيصبح الوضع أكثر سوءا؟.
وأدت النيران المشتعلة والاختناقات المرورية في مضيق هرمز إلى توقف العمليات في المدينة الإنسانية العالمية بدبي، التي تعد المركز العالمي الأول للخدمات اللوجستية للمساعدات في حالات الكوارث.
وفي الأول من مارس، اشتعلت النيران في جبل علي في دبي – المحطة الأكبر للحاويات في الشرق الأوسط، وتقع على بعد عشر دقائق من المدينة الإنسانية العالمية – بعد أن ضرب حطام صاروخ إيراني تم اعتراضه، الميناء.
وذكرت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة بأن حاويات الشحن تواجه الآن رسوما إضافية طارئة قدرها 3 آلاف دولار، في حين حذر برنامج الأغذية العالمي من أن ضغوط سلسلة التوريد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف العمليات المنقذة للحياة.
وعلى مدار عقدين من الزمن، أصبحت المدينة الإنسانية العالمية مركز الخدمات للوجستية الإنسانية العالمية، حيث كانت تنسق التعامل مع الأزمات مع الابقاء على التكاليف منخفضة.
واليوم، وفي الوقت الذي يتسع فيه نطاق الصراع وينتظر ملايين الأشخاص الغذاء والمأوى، يخشى النظام الإنساني أن تصبح دبي نقطة ضعفه.
وبعيدا عن العنف المباشر، تتسبب الحرب في إيران في حدوث ثلاث صدمات سوقية تهدد بتفاقم الأزمات الإنسانية في جميع أنحاء العالم وتتمثل في انخفاض قيمة العملة، واضطرابات في توفير الأسمدة، وأسعار النفط الأخذة في الارتفاع بسرعة.
وأضاف فيجرسكي أن كل صدمة من هذه الصدمات سوف تلحق ضررا شديدا بالسكان الأكثر تضررا في العالم.
وتشكل هذه الصدمات مجتمعة أزمة متعددة الجوانب، حيث يدفع الاختناق اللوجستي، وارتفاع قيمة الدولار، ونقص الأسمدة، وصدمات أسعار النفط، الجوع إلى حالة طوارئ، وتدفع اولئك الذين في حالة طوارئ بالفعل نحو مجاعة.
وبينما تعيد اضطرابات الأسواق وسلسلة التوريد تشكيل الوضع الإنساني العالمي، تعاني مجتمعات في الشرق الأوسط من الآثار المباشرة للحرب.
وقبل انطلاق عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير الماضي ، كانت المنطقة تعاني بالفعل من وجود 25 مليون نازح. ويهدد التصعيد الحالي برفع هذا العدد إلى مستويات أعلى بكثير.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات بين حزب الله وإسرائيل، كانت منظمات الإغاثة من أوائل من دق ناقوس الخطر بشأن التداعيات الإنسانية المحتملة للصراع.
وفي 4 مارس، توقع فريق تحليل الأزمات في لبنان التابع لمؤسسة ميرسي كوربس أن ما يصل إلى خمسمئة ألف لبناني يمكن أن يرغموا على النزوح، حتى في سيناريو أزمة تستمر أقل من شهر.
وفي الواقع، تسببت أوامر إخلاء أصدرها الجيش الإسرائيلي تشمل أجزاء من جنوب لبنان الأسبوع الماضي، إضافة إلى الغارات الجوية الإسرائيلية التي تلت ذلك على ضواحي جنوب بيروت، في نزوح سريع في جميع أنحاء البلاد، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة.
وتقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الآن عدد النازحين في لبنان بحوالي 700 ألف شخص.
وتعد مئات المدارس والمباني العامة جزءا من شبكة تضم 440 مأوى، وأكتظ العديد منها على نحو يفوق قدرتها الاستيعابية لدرجة أن الناس تنام في الشوارع.
والوضع مروع جدا لدرجة أن اللاجئين السوريين الذين كانوا في الماضي يبحثون عن الأمان في لبنان يفرون عائدين إلى سوريا، وأشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى مغادرة أكثر من ثلاثين ألف شخص في الأسبوع الماضي فقط.
وتتزايد المخاوف أيضا من احتمال نزوح لاجئين من إيران، حيث دق القادة الأوروبيون ناقوس الخطر بشأن احتمال تدفق جماعي للاجئين.
النيران المشتعلة والاختناقات المرورية في مضيق هرمز أدت إلى توقف العمليات في المدينة الإنسانية العالمية بدبي، التي تعد المركز العالمي الأول للخدمات اللوجستية للمساعدات في حالات الكوارث.
وحذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس مؤخرا من أن إيران “لا يمكن أن تصبح سوريا أخرى”، مؤكدا على ضرورة بذل جهود لمنع وصول موجة جديدة من اللاجئين إلى أوروبا.
ونظر لأن عدد سكان إيران يبلغ 90 مليون نسمة، فإن حتى تدفق 10 في المئة منهم فقط إلى خارج البلاد، سوف يشكل واحدة من أكبر أزمات اللاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.
وحتى الآن، فر مئة ألف شخص من طهران، رغم أنه ليس هناك تقارير عن تدفقات كبيرة إلى خارج البلاد عبر الحدود. .
وتعمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهي أكبر وكالة تابعة للأمم المتحدة داخل إيران منذ عام 1984.
وتدير المنظمة ستة مكاتب ميدانية، ووفرت الدعم لفترة طويلة لملايين اللاجئين الأفغان المقيمين في البلاد، بمن فيهم أولئك الذين تم إجبارهم على العودة إلى أفغانستان العام الماضي.
وبينما كانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمثابة الركيزة الأساسية في التعامل مع أي أزمة هجرة، إلا أنها تدخل هذه الأزمة وهي في وضعية ضعيفة.
وفي العام الماضي، خفضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التمويل الأميركي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بنسبة 60 في المئة وأقالت جميع الخبراء تقريبا في مكتب السكان والهجرة واللاجئين التابع لوزارة الخارجية، لكي تختبر قدرة الولايات المتحدة على إدارة التداعيات الأمنية للنزوح الجماعي.
وأخيرا، في غزة، حيث يعيش ثلثا السكان في مخيمات النزوح، يضاعف التصعيد الأحدث حالة الطوارئ الإنسانية الخطيرة بالفعل.
وعقب قيام إسرائيل بإغلاق جميع المعابر الحدودية المؤدية إلى غزة، نفدت مخزونات المساعدات، مما تسبب في ارتفاع في الأسعار.
وبينما تم إعادة فتح معبر كرم أبو سالم، لم يتم أعادة فتح معابر أخرى، بما في ذلك معبر رفح بين قطاع غزة ومصر.
وقد تم تعليق عمليات الإجلاء الطبي، والآن لا تستطيع الأمم المتحدة سوى إدخال نصف كمية الوقود الضرورية لاستمرار العمليات الأساسية في القطاع.
وتابع فيجرسكي أن السؤال الذي يدور في أذهان العاملين في المجال الإنساني – وهو إلى أي مدى سيزداد الوضع سوءا؟ – جزئيا على الأقل، يتوقف على سؤال آخر: هل ستفرج إدارة ترامب عن مبلغ الـ 5ر5 مليار دولار الذي خصصه الكونجرس مؤخرا لبرنامج الأغذية العالمي، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمات غير الحكومية التي تعمل من أجل تخفيف آثار كارثة عالمية؟.
وحتى ذلك التمويل لن يحتوي على التطورات التي تحدث في جميع أنحاء العالم. وذلك الرقم أقل من نصف ما خصصته الولايات المتحدة تاريخيا للاستجابة الإنسانية الدولية، ويأتي في لحظة تشهد حاجة متزايدة.
ومع ذلك، فإن الإفراج عن هذه الأموال سيكون بمثابة خطوة أولى فورية، هناك حاجة ماسة إليها.
وبينما يناقش الكونغرس تمويلا تكميليا للحرب مع إيران، خصصت الولايات المتحدة بالفعل أموالا للاستجابة الإنسانية في وزارة الخارجية.
واختتم فيجرسكي تقريره بالقول إنه ربما يحدد التحرك بسرعة في هذا الاتجاه – ومتابعة بزيادة أكبر في التمويل – ما إذا كان الملايين من الناس الذين يتأرجحون على حافة البقاء ،سوف يقعون في كارثة.























