يواجه حزب اللّه في لبنان تحديات مباشرة عقب قرار الحكومة اللبنانية في مارس 2026 بحظر أنشطته العسكرية وتسليم سلاحه، لكن الحزب يتجاهل الدولة سياسيا وميدانيا ويتمسك بما يسميه “خيار المقاومة” الذي يعني عمليا خوض الحرب إلى جانب إيران ضدّ إسرائيل التي لم تتردّد في استخدام القوة بشكل مفرط ضدّ لبنان محدثة دمارا عظيما في بناه التحتية الهشّة ومطلقة أزمة إنسانية عميقة في مجتمعه.
ويحاول الحزب استعادة توازنه إزاء إسرائيل التي سبق أن وجهت إليه ضربات قاصمة أبرزها على الإطلاق قتل زعيمه التاريخي حسن نصرالله، متجاهلا ضغوطا داخلية ومبادرات رئاسية، ومنها تلك التي دعا إليها رئيس الجمهورية جوزيف عون، والتي طالب أصحابُها بوقف الحرب على لبنان مقابل استعداد الدولة لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية.
ووسّعت إسرائيل، الجمعة، نطاق عملياتها في لبنان مع شنّها غارات متلاحقة على مناطق عدة، استهدفت إحداها للمرة الأولى جسرا رئيسيا على مجرى نهر الليطاني في جنوب البلاد، قال الجيش الإسرائيلي إن حزب الله استخدمه كممر لعناصره.
وتأتي الغارات على وقع تهديد إسرائيل بتدخل بري لنزع سلاح حزب الله، ما لم تنجز الحكومة اللبنانية المهمة، في وقت يواصل الحزب شن هجمات على مواقع وقوات إسرائيلية في اليوم الرابع عشر من الحرب الأميركية الإسرائيلية على داعمته إيران.
وفي علامة بالغة السلبية بشأن توجه الدولة العبرية نحو تدمير البنى التحتية للبنان استهدفت إسرائيل جسرا رئيسيا بين بلدتي الزرارية وطيرفلسيه على مجرى نهر الليطاني، الذي يقسم جنوب لبنان إلى جزئين، وفق ما أوردت الوكالة الوطنية للاعلام الرسمية.
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إنه أغار على الجسر، واصفا اياه بـ”ممر مركزي لعناصر حزب الله” الذين يستخدمونه “للوصول من شمال إلى جنوب لبنان والتمركز والاستعداد للقتال”.
وأضاف “حرصا على منع تهديد سكان إسرائيل ومنع استمرار المساس بسكان لبنان كان من الضروري قطع هذا الجسر” متهما حزب الله بوضع “منصات صواريخ بالقرب من الجسر واستخدامها لإطلاق قذائف صاروخية نحو إسرائيل”.
تدمير الجسر الرئيسي على مجرى نهر الليطاني علامة بالغة السلبية على توجه الدولة العبرية نحو تدمير البنى التحتية للبنان والشروع في فصل جنوب النهر عن شماله
وعلى وقع سلسلة غارات استهدفت الخميس قلب بيروت، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو إنه أبلغ الحكومة اللبنانية قبل أيام “إنكم تلعبون بالنار إذا استمررتم في السماح لحزب الله بالتحرك، في انتهاك لتعهدكم بنزع سلاحه”. وأضاف “لقد حان الوقت لتفعلوا ذلك. وإذا لم تفعلوا، فمن الواضح أننا سنفعل”.
وغداة إعلانه استهداف مواقع قيادة تابعة لحزب الله في “موجات عدة من الضربات” على لبنان، واصل الجيش الإسرائيلي ليلا شن غارات، مستهدفا شقة في مبنى سكني على أطراف برج حمود، في ضاحية بيروت الشمالية، التي بقيت بمنأى عن الحرب المستمرة منذ نحو أسبوعين.
وطالت الغارات الإسرائيلية، وفق الوكالة الوطنية للإعلام اهدافا عدة، بينها شقة في مبنى في بلدة قرب مدينة صيدا جنوبي البلاد. وفي بلدة بر الياس شرقا استهدفت مسؤولا محليا من الجماعة الإسلامية وأسفرت عن مقتل نجليه، وفق الوكالة.
وجدّد الجيش الإسرائيلي الجمعة توجيه إنذار إخلاء لضاحية بيروت الجنوبية معقل حزب الله، بعد توجيهه الخميس انذارا مماثلا إلى سكان منطقة الواقعة على بعد عشرين كيلومترا من شمال نهر الليطاني، ليصل عمق المنطقة التي طالب سكانها بمغادرتها في جنوب لبنان إلى قرابة خمسين كيلومترا عن الحدود.
وسجّل لبنان نزوح أكثر من 800 ألف شخص منذ بدء الحرب. ويطلق الأمين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش من مقر رئاسة الحكومة بيروت عصر الجمعة نداء انسانيا عاجلا للاستجابة لأزمة النازحين.
وقال رئيس كتلة حزب اللّه النيابية محمد رعد إنّ “خيار المقاومة هو السبيل الوحيد لصون الكرامة، حتى مع تحمّل الخسائر والتضحيات، بما في ذلك تدمير المنازل والنزوح والجوع والمبيت دون مأوى، إلى جانب الصبر على أخطاء بعض الشركاء في الوطن”.
وتعكس هذه التصريحات موقف الحزب الرافض لأي ضغوط للتخلي عن سلاحه أو التراجع، مع إبراز دور إيران بوصفها حليفا استراتيجيا داعما لخياراته السياسية والعسكرية.
ويرى المحلل السياسي الكاتب الصحفي منير الربيع أن اختيار حزب اللّه توقيت دخول الحرب هو ربطها بالسياق الإقليمي.
ويقول إنّ الحزب يراهن عبر المواجهة على تعديل ميزان القوى ميدانيا من خلال إلحاق خسائر بصفوف الإسرائيليين، بما يسمح له لاحقا بإعادة البحث في اتفاق جديد انطلاقا من دخوله المباشر بمفاوضات بالتوازي مع مفاوضات قد تجريها إيران.
ويستدرك الربيع بالقول إن الحرب الحالية، إلى جانب قرار الحكومة اللبنانية بحظر النشاط العسكري والأمني للحزب، قد يمهدان لعزله سياسيا.
ويشير أيضا إلى وجود انقسام داخلي في لبنان حيال الحرب، إذ تعارض شريحة واسعة من اللبنانيين استمرارها، غير أن هذه الخطوات تبدو غير ممكنة حاليا في ظل استمرار القتال.
كما يشير إلى أن الوضع الراهن يختلف عن حرب 2024، خصوصا مع الحديث الإسرائيلي عن توسيع العملية البرية واحتمال احتلال أجزاء من جنوب لبنان.























