وضع الاهتمام الأميركي الظرفي بالمعارضة الكردية الإيرانية المسلّحة كورقة يمكن تفعيلها واستخدامها ضدّ النظام الإيراني هؤلاء المعارضين اللاجئين مع عائلاتهم إلى إقليم كردستان العراق في ورطة كبيرة حيث جعلهم عرضة لنيران القوات الإيرانية دون استعداد مسبق لخوض الحرب، فيما لم تمض الولايات بجدية في مساعدتهم على تنظيم صفوفهم وامتلاك ما يكفي من قوة لمقارعة الحرس الثوري والباسيج.
وجاء تلويح واشنطن باستخدام تلك الورقة متسرّعا إلى حدّ بعيد حيث لم يتم التثبّت بعناية في إمكانية استخدامها وفي العوائق التي تحول دون ذلك وهي موجودة بالفعل وكثيرة وتشعّبة.
ولا يمتلك المعارضون المسلحون الإيرانيون الأكراد هامشا كبيرا للتحرك في المناطق العراقية الوعرة التي يحتمون بها من ملاحقة القوات الإيرانية وضرباتها، إذ لا تبدو سلطات إقليم كردستان التي تدير الحكم الذاتي في الإقليم والتي لديها التزمات تجاه طهران وأيضا أنقرة في وارد تسهيل مهمتهم وفتح أراضي الإقليم لهم لاتخاذها قاعدة خلفية ضدّ أي عمل عسكري كبير ومنسق مع الولايات المتحدة ضدّ النظام الإيراني.
أما بغداد المحكومة أصلا من قبل قوى سياسية وفصائل شيعية مسلحة موالية لإيران فتبدو أكثر صرامة وتشدّدا إزاء فتح أي جزء من أراضي العراق أمام عمل عسكري ضدّ نظام حليفتها الجمهورية الإسلامية.
كما لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي ستلعبه تركيا ضدّ تسليح وتنظيم كيان كردي آخر في المنطقة وتمكينه من بسط سيطرة على أي جزء من بلدانها وهي التي قاومت بضراوة سيطرة أكراد سوريا المدعومين من الولايات المتّحدة على أجزاء من شمال وشرق البلاد ونجحت في الأخير في زعزعة استقرارهم هناك ومنعهم من تأسيس حكم ذاتي لهم على غرار تجربة كردستان العراق التي لن تسمح أنقرة بتكرارها تحت أي ظرف.
وأوردت وكالة فرانس برس في تقرير لها نماذج عن الضغوط المتزايدة التي بات يخضع لها المعارضون الأكراد الإيرانيون وعوائلهم في أماكن لجوئهم داخل الأراضي العراقية.
وتملَّك أميني بورسعيد الرعب عند سقوط طائرة مسيّرة وانفجارها في فناء منزلها في كردستان العراق، فصممت على الرحيل خشية استهداف عائلتها مرة أخرى لانتماء زوجها لحزب كردي إيراني معارض.
وتقول أميني البالغة من العمر 55 عاما “كل شيء انهار فجأة داخل المنزل” عندما ضربت المسيّرة الفناء، ما أدى إلى تناثر شظايا الزجاج وانهيار جزء من سقف المنزل الكائن في قرية سوران في جبال زاغروس ليس بعيدا من الحدود مع إيران.
وتتابع أميني وهي أم لأربعة أطفال وهي توضّب أمتعتها “ما زلت خائفة من أن يتم ضربنا مرة أخرى.. ما زلت أرتجف”.
لا يمكن إغفال دور تركيا ضدّ تسليح وتنظيم كيان كردي آخر في المنطقة وتمكينه من بسط سيطرة على أي جزء من بلدانها وهي التي قاومت بضراوة سيطرة أكراد سوريا المدعومين من الولايات المتّحدة على أجزاء من شمال وشرق البلاد ونجحت في زعزعة استقرارهم ومنعهم من تأسيس حكم ذاتي
ومنذ اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران صباح 28 فبراير الماضي، امتد النزاع إلى إقليم كردستان مع شنّ طهران هجمات بالمسيّرات والصواريخ على مواقع تابعة للمعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة منذ سنوات في معسكرات وقواعد بشمال العراق.
وتهاجم إيران منذ أعوام فصائل المعارضة الكردية التي تصنفها إرهابية وتتهمها بالضلوع في هجمات في الداخل الإيراني وبأنها تخدم مصالح إسرائيل ودول غربية مناهضة للجمهورية الإسلامية.
وبدفع من الولايات المتحدة، أعلنت خمسة من هذه الفصائل ومنها حزب الحياة الحرة الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني تشكيل تحالف سياسي بهدف الإطاحة بالنظام الإيراني وضمان نيل الأكراد حقهم في تقرير مصيرهم.
وينتمي زوج بورسعيد طه كريمي (58 عاما) إلى الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني الذي تعرّضت معسكرات ومواقع تابعة له، أسوة بمقارّ أحزاب إيرانية كردية معارضة أخرى لعدّة ضربات خلال الأسبوع الفائت.
وبعد الهجوم على منزلها، لم تكن العائلة تعرف أين تحتمي، وقررت الرحيل بعدما تردّد الجيران في استضافتها، خشية من أن يصبحوا هم أيضا هدفا للضربات.
ويعتقد كريمي أنه وعائلته استُهدفوا عمدا بسبب انتمائه السياسي. ويقول لوكالة فرانس برس “كنّا في المنزل وسمعنا دويا قويا. هرعت إلى الخارج وتبيَّن لي أن طائرة مسيّرة ضربت فناء المنزل.. لقد نجونا بأعجوبة”. ويتابع “يمكن توقّع أي شيء من إيران. قد تستهدفنا مجددا”.
ويقول كريمي، وهو سجين سياسي سابق في إيران، إنه لا يزال يأمل في أن يتغيّر النظام، لكنه يرى أن ذلك لن يتحقق إلا بإرسال قوات برية وليس بالقصف الجوي.
ويضيف “يجب أن تتّحد الأحزاب وتتحدث بصوت واحد لكي ينجح هذا النضال.. الجمهورية الإسلامية فيروس مغروس عميقا”.
وتحدثت تقارير صحافية عن احتمال أن تشنّ فصائل كردية معارضة هجوما بريا على إيران انطلاقا من إقليم كردستان العراق، بدعم من الولايات المتحدة.
غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال السبت إنه “لا يريد” ذلك. وأضاف “لدينا علاقة ودية للغاية مع الأكراد لكننا لا نريد أن نجعل هذه الحرب أكثر تعقيدا مما هي عليه”.
ومن جهتها، هددت إيران باستهداف جميع مرافق كردستان العراق إذا دخل مقاتلون منه أراضيها.
ويقول الصحافي الإيراني الكردي صالح باباشيخ المقيم في أربيل منذ 36 عاما، إنه يخشى على إقليم كردستان بعدما أصبح هدفا رئيسيا للمسيّرات التي تهاجم أهدافا أميركية.
ويضيف “طبعا الجميع يخافون من المسيّرات والصواريخ.. لكن إذا انخرط إقليم كردستان في الحرب، فسيكون ذلك بمثابة انتحار”.
ويضيف “أنا جزء من هذا المجتمع. لقد حمتني السلطات هنا، وأي خطر يصيبها يصيبني”.
ويؤكد الصحافي والشاعر الكردي الإيراني محسن خالدي (63 عاما) المقيم في أربيل منذ العام 2004، أن تغيير النظام في إيران هو رغبة مشتركة لدى الأكراد، لكن القوات الكردية وحدها لا تستطيع إسقاطه. ويتابع “لدى إيران صواريخ ومسيّرات وقنابل، وهي لا تتردد في القتل”.
ويضيف “يجب أن يسقط النظام، ولكن ذلك لن يحدث إلا بوضع خطة دقيقة وبدعم من القوى العظمى.. ينبغي على الأكراد انتظار ما ستؤول إليه الأحداث”.
لكن حتى لو سقطت الجمهورية الإسلامية، يؤكد خالدي أنه لن يغادر أربيل “حتى آخر يوم في حياته”.

























