رغم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والحرب المستمرة على إيران منذ 28 فبراير، يبدو أن جماعة الحوثي اليمنية تتخذ موقفاً متحفظاً من الانخراط المباشر إلى جانب طهران، وهو ما يثير تساؤلات حول دوافع ذلك التلكؤ، وما إذا كان مجرد خطوة تكتيكية لإدارة الصراع الإقليمي أو انعكاساً لحسابات داخلية خاصة بالجماعة.
ورصدت المنظومة الأمنية الإسرائيلية خلال الساعات الأخيرة تحركات لمنصات إطلاق في الأراضي اليمنية، رجحت أنها تعود للحوثيين، ما أثار حالة تأهب خشية استخدام الصواريخ باتجاه إسرائيل، إلا أن الجماعة لم تصدر أي تأكيد رسمي بهذا الخصوص، واكتفت بتصريحات عامة من زعيمها عبد الملك الحوثي حول جاهزية الجماعة للتحرك “في أي لحظة تقتضيها تطورات المنطقة”.
ويظهر من متابعة أنشطة الحوثيين أن الجماعة تحاول التوازن بين دعم إيران سياسياً وعسكرياً وبين الحفاظ على مصالحها الداخلية في اليمن.
وأكدت الجماعة، عقب مظاهرة حاشدة في صنعاء دعماً لإيران، أن اليمن يقف مع الشعب الإيراني، وأعلنت جهوزيتها الشاملة لمواجهة أي تطورات، بينما حذر رئيس الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، شائع الزنداني، الجماعة من الانخراط في مغامرات عسكرية قد تعرض الأراضي اليمنية للخطر، أو تحولها إلى منصة لاستهداف دول الجوار والمصالح الدولية، معتبراً أن ذلك يهدد أمن اليمن واستقرار المنطقة.
تاريخياً، خاض الحوثيون مواجهات مباشرة مع إسرائيل بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025، ضمن ما وصفته الجماعة بـ”نصرة غزة”، لكن التجربة أظهرت محدودية قدراتهم مقارنة بالجيش الإسرائيلي والطيران الأميركي، إذ تكبدت الجماعة خسائر كبيرة من استهداف قياداتها ومراكزها الحيوية، بما في ذلك مقتل رئيس حكومتها أحمد الرهوي وعدد من وزرائها، إضافة إلى ضرب موانئ ومطارات استراتيجية.
ماتزال هذه التجارب تؤثر في حسابات الجماعة الحالية، وتبرز دور الحسابات الداخلية والضرورات الاستراتيجية في تحديد مدى تدخلها.
ويقول الباحث اليمني عبد السلام قائد إن احتمالية تدخل الحوثيين إلى جانب إيران ، تظل مرتبطة بحسابات الربح والخسارة، حيث يرى أن الجماعة تستخدم القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتها داخلياً، لكن الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة لن يحقق مكاسب ملموسة، بل قد يؤدي إلى خسائر كبيرة، خصوصاً أن إيران نفسها لن تطلب تدخلاً إلا في حال فقدت قدرتها على الصمود، حين يُحتمل أن يقتصر دور الحوثيين على هجمات محدودة لتشتيت الدفاعات الإسرائيلية أو الضغط على خطوط الملاحة في البحر الأحمر.
ويضيف الباحث أن أي تدخل محتمل سيكون على الأرجح محدوداً ورمزياً، بهدف رفع الحرج أو إسقاط واجب، وليس انخراطاً في مواجهة واسعة، نظراً للفارق الكبير في القدرات العسكرية، حيث تمتلك إسرائيل والولايات المتحدة جيشاً نظامياً وطائرات وصواريخ متطورة تتجاوز قدرات الحوثيين.
تلكؤ الحوثيين في دعم إيران عسكرياً ليس رفضاً مباشراً للمشاركة، بل خطوة مدروسة توازن بين الدعم الرمزي للسياسة الإيرانية وحسابات الأمن الداخلي وخسائر التجارب السابقة.
ويشير إلى أن التجارب السابقة في غزة وما تبعها من ضربات أميركية وإسرائيلية تثبت أن تدخل الحوثيين يحمل مخاطر جسيمة، وهو ما يفسر الحذر الحالي للجماعة.
ومن جانبه، يرى الباحث العسكري عدنان الجبرني أن الحوثيين جاهزون من ناحية بنك الأهداف، لكن زمن تدخلهم مرهون بتقديرات إيران وحدوث انعطاف كبير أو حدث مفصلي في الحرب، فطالما استمرت المواجهة بالمسار الحالي، فإن الجماعة لن تتدخل إلا في حال طال أمد الحرب واحتاجت إيران لرفع التكلفة على خصومها.
ويضيف الجبرني أن أي تدخل سيكون غالباً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب لضرب أهداف في إسرائيل أو قواعد عسكرية أميركية، وأن إغلاق المضيق سيخلق شللاً استراتيجياً يضاعف تأثير الهجمات، لكنه يحذر من أن ذلك سيؤدي حتماً إلى رد مباشر من إسرائيل والولايات المتحدة، ما يعني توسيع نطاق الحرب.
وأما الصحفي اليمني نبيل صلاح، فيرى أن النظام الإيراني يدخر الحوثيين للمرحلة الحاسمة، التي قد تشهد ضربات منسقة ضد إيران من دول إقليمية، وعندها قد تنطلق صواريخ الحوثيين ومسيراتهم باتجاه الخليج والبحر الأحمر لتعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب، حيث يمتلك الحوثيون التكنولوجيا والقدرات التي مكّنهم النظام الإيراني من لعب هذا الدور، مشيراً إلى أن الجماعة تعتمد على بروتوكولات أمنية تشمل تغيير مواقع قياداتها ومقار الاجتماعات باستمرار، ونقل عتاد وأفراد إلى جبهات مأرب والحديدة تحسباً لأي مواجهة محتملة.
وبناء على ذلك، يبدو أن تلكؤ الحوثيين في دعم إيران عسكرياً ليس رفضاً مباشراً للمشاركة، بل خطوة مدروسة توازن بين الدعم الرمزي للسياسة الإيرانية وحسابات الأمن الداخلي وخسائر التجارب السابقة، حيث يحرصون على حماية مناطق نفوذهم، والحفاظ على استقرار السيطرة في اليمن، مع إبقاء خيار التدخل العسكري مرهوناً بظرف إقليمي مفصلي قد يغير موازين المعركة ويجبرهم على المشاركة في مواجهة مباشرة.
وبالتالي، يمكن القول إن موقف الحوثيين الراهن يعكس مزيجاً من الحسابات التكتيكية والداخلية، حيث يسعون للحفاظ على مكتسباتهم في اليمن، دون الانجرار إلى مواجهة قد تكلفهم الكثير، مع الإبقاء على القدرة على التأثير الرمزي والاستراتيجي لصالح إيران إذا تطلبت المرحلة القادمة ذلك، وهو ما يجعل تدخلهم مرهوناً بالتحولات الكبرى في الحرب الإقليمية ومستوى الضغوط على إيران.

























