التحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة جعلت دول الخليج أكثر عرضة للخطر

2026/03/10م

لم تكن دول الخليج العربي تريد اندلاع هذه الحرب، ولم تسع إلى المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال. وعلى مدى الأسابيع التي سبقت الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، انخرط قادة الخليج في سلسلة من الجهود الدبلوماسية العاجلة في محاولة لمنع التصعيد.

وقد أكدوا علنا تمسكهم بموقف الحياد، وذهبوا إلى حد منع استخدام أراضيهم لشن عمليات عسكرية هجومية ضد طهران. كان الهدف واضحا لا لبس فيه: تجنب التحول إلى ساحة معركة في مواجهة لم يبدؤوها ولم يؤيدوها. غير أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطالب متشددة تهدف أساسا إلى نزع سلاح إيران، وتعزيز هذه المطالب من خلال حشد عسكري كبير، حدّد مسار الأحداث. وفي نهاية المطاف، ثبت فشل المبادرة الدبلوماسية التي حاولت دول الخليج من خلالها احتواء الأزمة.

ومنذ اللحظة التي بدأت فيها الأعمال العدائية، سارعت إيران إلى تحويل جوارها الخليجي إلى مسرح مركزي لسياسة الردع. وتعرضت المنشآت العسكرية التي تديرها الولايات المتحدة في مختلف أنحاء المنطقة لهجمات مكثفة. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق تمثل في اتساع نطاق الضربات بسرعة ليشمل البنية التحتية المدنية والاقتصادية، متجاوزا حدود القواعد العسكرية الرسمية.

وبهذا، تحولت منشآت الطاقة والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية (وهي عناصر حيوية لاقتصادات دول الخليج ولعمل الأسواق العالمية) إلى نقاط ضغط رئيسية في إطار استراتيجية إيرانية للبقاء تقوم على زيادة وتوزيع التكاليف المرتبطة بالحملة الأميركية الإسرائيلية الرامية إلى إزاحة الجمهورية الإسلامية من السلطة.

ويرى الباحثان خالد الجابر وعمر رحمان في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي أن دول الخليج لم تخطئ في تقدير المخاطر المرتبطة بهذا السيناريو، ومع ذلك تجد نفسها أمام مفارقة واضحة: فهي تحاول الحفاظ على حيادها السياسي، لكنها تتورّط عمليا في الصراع بفعل الجغرافيا والواقع الأمني.

وما يجري اليوم لا يشبه الحروب الإقليمية التقليدية التي تتسم بجبهات واضحة وخطوط قتال محددة. بل إن المواجهة الحالية متعددة الأبعاد، حيث تتحوّل الجغرافيا نفسها إلى عنصر فاعل في الصراع. فالبنية التحتية للطاقة، والممرات البحرية، وشبكات الاستخبارات، وإمكانية الوصول إلى المجال الجوي، وحتى الأنظمة المالية، أصبحت أدوات ضغط تستخدم ضمن هذه الديناميكية المعقدة.

ويتشكل منطق إيران العسكري بدرجة كبيرة تحت وطأة القيود الهيكلية. ولا تمتلك طهران القدرة على توجيه ضربات مباشرة إلى الأراضي الأميركية، كما أنها غير قادرة على مضاهاة التفوق البحري والجوي الأميركي على المستوى العالمي.

وفي ظل هذه المعادلة، تصبح إسرائيل والأصول الأميركية المنتشرة في المنطقة، من قواعد عسكرية وأفراد وبنية تحتية متمركزة داخل الدول المجاورة، أهدافا انتقامية أكثر واقعية وجدوى.

ونتيجة لذلك، يتآكل مفهوم الحياد السياسي تدريجيا، حيث تتحول الأراضي العربية عمليا إلى مسرح للردع المتبادل.

وتتميز هذه الديناميكية بخصوصية واضحة مقارنة بصراعات أخرى. ففي معظم الحروب، يتحمل الخصوم المباشرون الجزء الأكبر من المواجهة العسكرية.

وأما في هذه الحالة، فإن قرب الخليج الجغرافي من إيران، إلى جانب اندماجه العميق في منظومة الأمن الأميركية، يجعلان منه جزءا لا يتجزأ من ساحة المعركة.

وأصبحت القواعد العسكرية التي طالما اعتُبرت ركائز للأمن الإقليمي تحمل مخاطر تصعيد كبيرة. وما كان يُنظر إليه في السابق على أنه درع واق بدأ يتحول تدريجيا إلى مغناطيس يجذب الهجمات.

ويزداد هذا الوضع هشاشة بفعل الموقف الاستراتيجي العدواني الأميركي. وقد سبق أن عبّرت حكومات الخليج مرارا عن معارضتها لحرب أوسع مع إيران لهذه الأسباب تحديدا.

ومع ذلك، استمر التصعيد مدفوعا إلى حد كبير بالأولويات الإسرائيلية والحسابات الاستراتيجية الأميركية التي لم تُراع بشكل كاف المخاطر التي تواجه دول الخليج. والرسالة التي تلقاها قادة الخليج كانت مقلقة: المظلة الأمنية الأميركية لا تزال قوية، لكنها قد تُهمَّش عندما تتعارض مع مصالح استراتيجية أخرى.

القواعد العسكرية التي طالما اعتُبرت ركائز للأمن الإقليمي أصبحت تحمل مخاطر تصعيد كبيرة. وما كان يُنظر إليه في السابق على أنه درع واق بدأ يتحول تدريجيا إلى مغناطيس يجذب الهجمات.

وهذا الإدراك ليس جديدا تماما. ففي السنوات الماضية، وبعد تعرض دول الخليج لسلسلة من الهجمات الإيرانية غير المباشرة عبر وكلاء، بدأت هذه الدول تدرك القيود الكامنة في المظلة الأمنية الأميركية.

ومن هنا جاء التحول الدبلوماسي الذي قادته كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة لإعادة بناء العلاقات مع إيران، في محاولة لخفض مستوى التوتر. كما لعبت كل من قطر وعُمان دور الوسيط في مساع تهدف إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع طهران وتقليل مخاطر المواجهة.

غير أن هذه القناعة تعززت أكثر بعد حادثة لافتة في سبتمبر 2025، عندما هاجمت إسرائيل قادة من حركة حماس في الدوحة.

وقد حدث ذلك بينما وقفت واشنطن دون تدخل يُذكر، الأمر الذي أثار تساؤلات عميقة حول طبيعة الضمانات الأمنية الأميركية في المنطقة.

وزادت الشكوك عندما سمحت إدارة ترامب لاحقا لإسرائيل بتنفيذ ضربة جوية على أراضي حليف خليجي، على مقربة من المقر الإقليمي للقيادة المركزية الأميركية.

وبدا أن ترامب نفسه قد أدرك، لاحقا، حجم القلق المتصاعد لدى شركاء واشنطن الخليجيين، فسعى إلى طمأنتهم من خلال خطوات رسمية لتعزيز العلاقات الأمنية، من بينها توقيع اتفاقية أمنية مع قطر.

ومع ذلك، فإن القرار الأميركي الأخير بالدخول في حرب اختيارية سرعان ما امتدت آثارها إلى المنطقة بأكملها أفرغ تلك الاتفاقيات من كثير من مضمونها وكشف عن نقاط ضعفها الكامنة.

وفي المقابل، تعكس الاستراتيجية الإيرانية في الحرب مزيجا من اليأس والحسابات الدقيقة. فمن منظور طهران، تمثل المواجهة الحالية تهديدا وجوديا، وهو ما دفعها إلى توسيع نطاق الردع إلى ما هو أبعد من المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل والأصول العسكرية الأميركية المنخرطة في العمليات الهجومية.

ويحمل استهداف المنشآت الأميركية في الخليج رسائل متعددة. فمن جهة، يبعث برسالة إلى واشنطن مفادها أن التصعيد الإقليمي ستترتب عليه تكاليف كبيرة، ليس فقط بالنسبة للقوات الأميركية بل أيضا بالنسبة لاستقرار الدول الحليفة ولعمل الأسواق العالمية.

ومن جهة أخرى، يوجه تحذيرا واضحا إلى حكومات الخليج بأن استضافة البنية التحتية العسكرية والاستخباراتية الغربية تحمل عواقب حتمية في زمن الحرب، حتى لو لم تشارك تلك الدول رسميا في النزاع.

وقد ازداد المشهد تعقيدا مع عمليات إجلاء الأفراد الأميركيين من بعض القواعد العسكرية. وتؤكد إيران أنها رصدت مسؤولين دفاعيين واستخباراتيين داخل أماكن مدنية مثل الفنادق، واستهدفتهم هناك.

ويعد الهجوم على مثل هذه المواقع تصعيدا خطيرا، حيث يُظهر أن طهران باتت تضع إلحاق الخسائر بإدارة ترامب في مقدمة أولوياتها.

وفي هذا السياق، قد تراهن إيران على أن الخسائر الأميركية المتزايدة يمكن أن تؤثر في الرأي العام داخل الولايات المتحدة حتى وإن كانت تدريجية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأميركية خلال ثمانية أشهر. فمن وجهة نظر طهران، قد يؤدي استمرار الخسائر، إلى جانب تضارب مبررات الحرب داخل الإدارة الأميركية، إلى تقويض الدعم السياسي الداخلي للرئيس ترامب وإضعاف عزيمته على مواصلة المواجهة.

والرسالة الثانية التي تحملها هذه الهجمات موجهة إلى دول الخليج نفسها. فهي تحذير واضح من أن استضافة البنية التحتية العسكرية واللوجستية الغربية تعني، في الحسابات الإيرانية، مشاركة ضمنية في الحرب حتى وإن أعلنت تلك الدول حيادها رسميا.

وفي ظل هذا السياق المركب، يمكن فهم استهداف إيران لبنية الطاقة التحتية في الخليج وتهديدها للملاحة عبر مضيق هرمز باعتباره جزءا من استراتيجية ضغط دولية أوسع.

وقد أدت هذه التكتيكات بالفعل إلى تعطيل إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر وإلى توقف أكبر مصفاة نفط سعودية في رأس تنورة.

ومن خلال رفع أسعار الطاقة، وزعزعة استقرار الأسواق المالية، وتعطيل خطوط الشحن العالمية، تراهن طهران على أن القوى الكبرى ستضغط على واشنطن من أجل خفض التصعيد قبل أن يصبح الضرر الاقتصادي غير محتمل.

غير أن هذه المقاربة تمثل مقامرة خطيرة. فالاضطرابات الشديدة في أسواق الطاقة قد تدفع القوى الصناعية الكبرى إلى التدخل مباشرة لتأمين خطوط الإمداد، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع بدلا من احتوائه. وفي ظل هذه الظروف، تواجه دول الخليج خيارين صعبين.

ويتمثل الخيار الأول في تعميق التنسيق العملياتي مع واشنطن، بما يشمل توسيع التعاون الدفاعي وربما الهجومي وتفعيل القواعد العسكرية الأميركية في الخليج. لكن هذا المسار سيعني عمليا ترسيخ موقع هذه الدول كأهداف رئيسية في الحرب، كما سيؤدي إلى تحويل الموارد المالية من مشاريع التحول الاقتصادي طويلة الأمد إلى الإنفاق العسكري المستمر، مع ما يترتب على ذلك من تكاليف تنموية دائمة.

وأما الخيار الثاني فيقوم على مزيج من الردع المدروس وضبط النفس الاستراتيجي. ويتضمن ذلك تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية، وتحصين البنية التحتية الحيوية، والرد بحزم على أي هجمات، مع تجنب الانخراط الرسمي في الحملة العسكرية ضد إيران.

اضف تعليقك