إذا ما استندنا إلى المعلومات المعلنة هذا اليوم (السبت)، فإن العدالة المغيبة في ملف اغتيالات حضرموت —المثقل بالغموض والنسيان منذ عام 2010م— تكون قد بدأت تتنفس الصعداء.. فالإعلان الصادر عن الإعلام العسكري التابع للمقاومة الوطنية، بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، بشأن تفكيك خلية إرهابية مارقة بالتنسيق مع الجهاز الأمني المختص في عدن، لا يمثل إنجازًا استخباراتيًا فحسب، بل يشكل خطوة قانونية وأمنية حازمة في مسار كسر سياسة «الإفلات من العقاب».
ولم تقف الاعترافات للخلية المضبوطة عند حدود المخططات الإجرامية لتصفية قيادات عسكرية وأمنية، بل أزاحت الستار عن تورطها المباشر في جريمة الاغتيال الغادرة التي استهدفت الزميل الراحل محمد عيضة، مراسل قناتي «العربية» و«الحدث»، إثر تفجير عبوة ناسفة زُرعت في مركَبته بمدينة المكلا مساء الأربعاء 24 يونيو الماضي.. مما يعد هذا الاختراق الأمني المحكم نقطة تحول حقيقية؛ فلطالما ظلت حضرموت لسنوات مسرحًا مستباحًا لاستهداف الكوادر العسكرية والأمنية والمدنية، في ظل قصور أمني كان يدفع بتلك الملفات دومًا نحو أدراج «القيد ضد مجهول»، لتُطوى في عتمة النسيان والتقصير.. واليوم، يأتي هذا التنسيق رفيع المستوى ليثبت بصورة قاطعة أن تعقب أدوات الإرهاب وتجفيف منابعه يظلان أمرين ممكنين متى ما توفرت الإرادة الصادقة واليقظة الاستخباراتية العالية.
إن ما أورده الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية بشأن جريمة استهداف الصحفي محمد عيضة، تضع المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والحقوقية أمام مسؤولية قانونية مباشرة، تقتضي تصنيف هذه الجرائم بوصفها «جرائم حرب» واستهدافًا لحرية الصحافة وسلطتها الرابعة.. كما يستوجب هذا التطور في ملاحقة المجرمين تفعيل مبدأ العلنية والشفافية القضائية لإطلاع الرأي العام على هوية الجناة والمخططين؛ تحقيقًا للردع العام والخاص، وبما يضمن تحصين المجتمع وتطهيره من نزعات العنف والإرهاب.
أخيرًا فإن إنصاف الزميل محمد عيضة —كما أكدنا سابقًا— ليس شأنًا عائليًا خاصًا أو مطلبًا محصورًا بزملاء المهنة، بل هو قضية رأي عام ومحك حقيقي لإرساء ما تبقى من هيبة القانون وصون الكرامة الإنسانية؛ إذ سيظل تأمين حياة الإنسان وحماية حرية الكلمة هما الركيزتان الأساسيتان لأي مجتمع ينشد الاستقرار والعدالة الناجزة.



















