الولايات المتحدة.. 250 عاماً من الهيمنة الاقتصادية

2026/07/04م

(عاد/ واشنطن) متابعات:

روى تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» قصة تحول الولايات المتحدة الأمريكية من العبودية إلى الإمبراطورية.

وبمناسبة العيد الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة، كتب أستاذ التاريخ ومدير المعهد الأوروبي في جامعة كولومبيا، آدم توز، أن فهم التاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة يتطلب النظر إلى ثلاثة محاور رئيسية هي: العبودية، الاشتراكية، والهجرة. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، وهو العام نفسه الذي نشر فيه آدم سميث كتاب ثروة الأمم، تحولت الولايات المتحدة خلال 250 عامًا من اقتصاد قائم على العبودية إلى اقتصاد يعتمد على العمل الحر، ثم إلى دولة مدينة، ثم دائنة، وأخيرًا إلى قوة وإمبراطورية عالمية.

العبودية.. محرك اقتصادي في القرنين الـ 18 و19
ويؤكد توز أن العبودية لم تكن ظاهرة هامشية، بل كانت مؤسسة اقتصادية شكلت أحد أعمدة الاقتصاد الأمريكي. فالحرب الأهلية في ستينيات القرن التاسع عشر لم تكن، في جوهرها، صراعًا أخلاقيًا حول العنصرية فقط، بل صراعًا حول الاقتصاد السياسي، وتحديدًا حول ما إذا كانت الولايات الجديدة في الغرب ستعتمد على عمل العبيد أم على العمل الحر. وكان إنهاء توسع نظام العبودية شرطًا لدمج الغرب الأمريكي واستكمال توسع السكك الحديدية والاقتصاد الوطني.

وعرض توز تطور الكتابات التاريخية حول العبودية. فقد اعتبرها المؤرخون الليبراليون الأوائل مؤسسة متخلفة أعاقت النمو الاقتصادي، ثم ظهرت منذ منتصف القرن العشرين دراسات أكدت أن العبودية كانت عقلانية اقتصاديًا ضمن سياقها، بينما ذهبت دراسات أحدث، خاصة المرتبطة بمشروع 1619، إلى أن الثروة الأمريكية قامت أساسًا على عنف العبودية والعنصرية ضد السود. وفي المقابل، ظهرت مؤخرًا أطروحات ترى أن كفاءة نظام العبودية قد جرى تضخيمها، وأن التحرر منها كان بدوره محركًا للنمو الاقتصادي.

وتوضح البيانات الكمية حجم الدور الاقتصادي للعبودية. فقد أظهر تعداد 1800 أن 17% من سكان الولايات المتحدة كانوا عبيدًا سودًا، بينما انخفضت نسبتهم إلى 12.6% عام 1860، وهي نسبة تقارب نسبة الأمريكيين من أصل إفريقي اليوم. أما في سوق العمل، فقد مثّل العبيد ما يقرب من 30% من القوة العاملة عام 1800، ثم انخفضت نسبتهم إلى نحو 20% عام 1860 نتيجة الهجرة الأوروبية. وفي القطاع الزراعي، الذي كان يعمل فيه 90% من العبيد، شكلوا ما بين 37% و40% من إجمالي العمال الزراعيين.

ويشير توز إلى أن مساهمة العبيد في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بلغت نحو 12 إلى 14% من إجمالي النشاط الاقتصادي، وهو حجم يقارن بقطاع الصناعة التحويلية الأمريكي اليوم. كما أن العبودية لم تقتصر على تشغيل المزارع، بل ساهمت في توسيع زراعة القطن نحو دلتا المسيسيبي، وأصبح العبيد أنفسهم يمثلون رأس مال يمكن رهنه واستخدامه كضمان للقروض. حتى إن قصر مونتيتشيلو الذي امتلكه توماس جيفرسون جرى تمويل جزء منه عبر رهون قائمة على العبيد.

ويرى توز أن آثار العبودية لم تنته بإلغائها، بل ما تزال حاضرة في المجتمع الأمريكي حتى عشرينيات القرن الحادي والعشرين، خاصة في العنصرية الموجهة ضد السود، وفي ارتفاع معدلات تجريم وسجن الأمريكيين من أصل إفريقي، وهو ما يعد امتدادًا لإرث اقتصادي واجتماعي لم يُعالج بالكامل.

تاريخ اشتراكي
وفي المحور الثاني، يناقش توز الاعتقاد الشائع بأن الولايات المتحدة لم تعرف الاشتراكية. ويؤكد أن هذا غير دقيق، إذ كانت البلاد خلال أواخر القرن التاسع عشر تضم عددًا كبيرًا من الاشتراكيين الأوروبيين المنفيين. وقد تابع كارل ماركس وفريدريش إنجلز الحرب الأهلية الأمريكية باهتمام كبير، بينما شارك بعض رفاقهما في القتال مع جيش الاتحاد بعد فشل ثورات 1848. كما أصبح الأول من مايو/أيار عيدًا عالميًا للعمال تخليدًا لذكرى مجزرة هايماركت في شيكاغو عام 1886.

وخلال أوائل القرن العشرين تأسس الحزب الاشتراكي الأمريكي ومنظمة العمال الصناعيون في العالم (IWW)، وقاد يوجين دبس المعارضة لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى. إلا أن الدولة واجهت هذه الحركة بقوة، مستخدمة كاسري الإضرابات، وأجهزة الأمن، وعلى رأسها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، إضافة إلى السياسات الاقتصادية التي أنهت طفرة ما بعد الحرب العالمية الأولى بانهيار 1920، منهية أكبر موجة للنضال العمالي آنذاك.

ورغم ذلك، بقيت الاشتراكية الأمريكية مؤثرة خلال الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الـ 20، عبر مؤتمر المنظمات الصناعية (CIO) واتحاد عمال السيارات (UAW)، وشخصيات مثل والتر روثر، كما ارتبطت بحركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ الابن وكوريتا سكوت كينغ. وبعد تراجعها خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، شهدت عودة جديدة مع صعود الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA)، الذي يضم بين 50 ألفًا و60 ألف عضو، وبدعم شخصيات مثل زهران ممداني.

الهجرة عامل أساسي
أما المحور الثالث فيتعلق بالهجرة. ويرى توز أن الولايات المتحدة تميزت بحجم الهجرة إليها، لكنها لم تكن حالة فريدة عالميًا. فقد تأسست على الاستيطان الأوروبي الأبيض، وعلى استيراد العبيد حتى عام 1808، ثم استقبلت موجات ضخمة من المهاجرين الأوروبيين، خاصة من ألمانيا وإسكندنافيا، ثم من أوروبا الشرقية والجنوبية، على غرار دول مثل كندا وأستراليا، وكذلك الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وكوستاريكا وتشيلي.

وفي عشرينيات القرن العشرين أصبحت الولايات المتحدة رائدة في فرض القيود على الهجرة، مما أثر في سياسات الهجرة العالمية خلال الثلاثينيات والأربعينيات. ثم أعادت فتح أبوابها في ستينيات القرن العشرين وفق نموذج العمال المهاجرين، خاصة من المكسيك وأمريكا اللاتينية، قبل أن تظهر منذ أواخر القرن العشرين موجات جديدة من آسيا، ولا سيما الصين وجنوب آسيا، ثم من أفريقيا.

واعتبر توز أن الولايات المتحدة ليست حالة استثنائية بقدر ما هي نتاج تداخل أنماط متعددة من العبودية، والاستيطان، والهجرة، والنشاط العمالي، وأن خصوصيتها الحقيقية تكمن في الحجم الهائل لهذه الظواهر. كما يشير إلى أن ألمانيا تمتلك اليوم نسبة من المهاجرين من الجيلين الأول والثاني تفوق نظيرتها في الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن تميز أمريكا لم يعد في حجم الهجرة وحده، بل في الطريقة التي تشكل بها اقتصادها ومجتمعها عبر هذا التاريخ الطويل.

اضف تعليقك