في الوقت الذي يغلي فيه الشارع الحضرمي من المكلا إلى سيئون، ومن الشحر إلى تريم، احتجاجاً على انهيار الكهرباء وارتفاع أسعار المشتقات النفطية والمواد الغذائية وتدهور العملة وتفاقم المعاناة المعيشية والتدخلات العسكرية الخارجية في الاراضي الحضرمية، يبرز سؤال كبير يطرحه كل مواطن حضرمي: أين ذهبت السلطة المحلية؟ وأين المكونات السياسية والقبلية والمدنية التي يفترض أن تكون صوت الناس والمدافع الأول عن حقوقهم؟
لقد خرجت الجماهير الحضرمية إلى الشوارع مطالبة بحقوقها المشروعة، لا مطالبة بمكاسب خاصة ولا امتيازات فئوية، بل مطالبة بالكهرباء والماء والوقود والعيش الكريم، ورفضا للتجويع والتهميش ونهب الثروات ، غير أن الرد جاء في كثير من الحالات بالقمع المفرط وسقوط الشهداء والجرحى وعمليات الملاحقة والتضييق، وكأن المطالبة بالحياة الكريمة والحقوق المشروعة أصبحت جريمة تستوجب العقاب.
في هذا السياق جاءت مذكرة الحكم الدكتور عبدالرب علي بن ثابت النهدي، حكم وشيخ قبائل نهد، الموجهة إلى مجلس القيادة الرئاسي والتحالف العربي والمجتمعين العربي والدولي، باعتبارها صرخة تحذير من شخصية اجتماعية وقبلية مرموقة أدركت خطورة ما وصلت إليه الأوضاع في حضرموت.
تكمن أهمية المذكرة في أنها لم تصدر عن ناشط سياسي أو جهة معارضة، بل عن مرجعية قبلية واجتماعية معروفة، ما يعكس حجم القلق المتزايد داخل المجتمع الحضرمي من استمرار تدهور الخدمات وتفاقم الأزمات المعيشية. كما أنها حمّلت الجهات المعنية مسؤولية ما قد يترتب على استمرار التجاهل والتسويف من تداعيات تمس السلم الاجتماعي والاستقرار العام.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي المناشدات وحدها؟
التجربة خلال السنوات الماضية تقول إن حضرموت رفعت عشرات المناشدات والبيانات والرسائل إلى الحكومات المتعاقبة وإلى مجلس القيادة الرئاسي، ومع ذلك استمرت الأزمات بل تفاقمت. الكهرباء تزداد سوءاً، والأسعار تواصل ارتفاعها، والعملة تفقد قيمتها، والثروة الحضرمية تنهب ، وما زالت عاجزة عن إحداث تحول ملموس في حياة المواطن الحضرمي.
إن قيمة مذكرة النهدي لا تكمن فقط في نصها، بل فيما يمكن أن تمثله من بداية لموقف حضرمي أوسع تتوحد فيه القبائل والنخب والمكونات السياسية والمدنية والاقتصادية حول برنامج مطالب واضح لا يقبل التأجيل أو المساومة.
فالمشكلة التي تواجه حضرموت اليوم ليست أزمة كهرباء عابرة، وليست نقصاً مؤقتاً في الوقود، بل أزمة إدارة وتمثيل وشراكة وحقوق. ولذلك فإن معالجتها تتطلب انتقالاً من مرحلة المناشدات الفردية إلى مرحلة الفعل المجتمعي المنظم والضغط السلمي المشروع الذي يجمع كل القوى الحضرمية على كلمة واحدة وموقف واحد.
لقد أثبتت التحركات الشعبية الأخيرة في المكلا وسيئون والشحر وتريم أن الشارع الحضرمي ما زال حياً وقادراً على التعبير عن إرادته، وأن حالة الصمت التي راهنت عليها بعض مراكز النفوذ لم تعد قائمة. كما أثبتت أن حضرموت لم تعد تقبل أن تبقى مجرد خزان للثروة ومصدر للإيرادات بينما يعيش أبناؤها تحت وطأة الحر وانقطاع الكهرباء وغلاء المعيشة.
ومن هنا فإن مذكرة الحكم الدكتور عبدالرب النهدي تمثل خطوة إيجابية وشجاعة في الاتجاه الصحيح، لكنها لن تكون كافية وحدها ما لم تتحول إلى جزء من حراك حضرمي أوسع وأكثر تنظيماً وتأثيراً، يضع أمام الرئاسة والحكومة والتحالف العربي حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: أن حضرموت تريد حقوقها، وأن صبر أبنائها ليس بلا حدود.
فالتاريخ يعلمنا أن الحقوق لا تُصان بالمناشدات وحدها، وإنما بوحدة الصف، ووضوح المطالب، واستمرار الضغط السلمي المشروع، وتمسك الشعوب بحقها في حياة كريمة وعدالة وشراكة حقيقية.
وحضرموت اليوم تقف أمام مفترق طرق؛ فإما أن تُسمع رسالتها ويُستجاب لمطالب أبنائها العادلة، وإما أن تتسع فجوة الثقة بين المواطن والسلطة إلى مستويات يصعب احتواؤها لاحقاً.
وما زال الوقت متاحاً للعقلاء لاتخاذ القرار الصحيح قبل أن يصل السيل إلى الزبى ، وتنفجر حضرموت لتحرق مصاصي دمائها وثرواتها ، وهو مانراه قادم قريبا .




















