(عاد/ واشنطن) متابعات:
بعد عقد من استفتاء بريكست، تتزايد المؤشرات الاقتصادية على كلفة الانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي، مع تراجع التجارة وارتفاع الحواجز، وتجدد النقاش حول مستقبل العلاقات بين الجانبين.
أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) إلى تراجع ملموس في حجم تجارة المملكة المتحدة مع الاتحاد، سواء في السلع أو الخدمات.
وبعد مرور عقد من الزمان على تصويت الشعب البريطاني لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي في استفتاء عام 2016، بدأ النقاش حول طبيعة علاقة بريطانيا بالتكتل الأوروبي يأخذ منحى جديدا.
كيف تراجعت بريطانيا اقتصاديا إلى مستوى أفقر ولاية أمريكية؟
يعد الاتحاد الأوروبي شريكا تجاريا مهما للمملكة المتحدة؛ ففي عام 2025، بلغت صادرات المملكة المتحدة من السلع والخدمات إلى الاتحاد الأوروبي 384 مليار جنيه استرليني (أي ما يعادل 41% من إجمالي صادرات المملكة المتحدة).
أما الواردات من الاتحاد الأوروبي فقد بلغت 472 مليار جنيه استرليني (أي ما يعادل 50% من إجمالي واردات المملكة المتحدة)، وفقا لبيانات “مكتبة مجلس العموم البريطاني”.
كيف تأثرت العلاقات الاقتصادية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي؟
شهدت العلاقة التجارية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي تغيرا جذريا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ إذ أصبحت المملكة المتحدة الآن خارج السوق الموحد والاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي.
ورغم عدم وجود تعريفات جمركية على تجارة السلع مع الاتحاد الأوروبي شريطة استيفاء شروط معينة إلا أن هناك حواجز تجارية أخرى أصبحت أكثر تعقيدا. كما أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تغيير في آلية جمع البيانات المتعلقة بتجارة السلع مع الاتحاد الأوروبي.
بعد سنوات طويلة من الصمت إزاء التكاليف المترتبة على “بريكست”، بدأ السياسيون البريطانيون من تيار يسار الوسط في التعبير عن آرائهم بصوت أعلى.
فقد اعترف رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر بأن “بريكست” ألحق “ضررا بالغا بالاقتصاد”.
ما حجم الخسائر التجارية لبريطانيا بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي؟
أكد تقرير أعده “مركز الإصلاح الأوروبي”، أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي أسفر عن خسائر تجارية كبيرة، شملت كلا من السلع والخدمات. وتُعزى الغالبية العظمى من هذه التكاليف إلى الخروج من السوق الموحدة.
أدى “بريكست” إلى تراجع ملموس في تجارة المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، سواء في السلع أو الخدمات، وعلى مستوى الصادرات والواردات على حد سواء.
كان الضرر الذي لحق بالتجارة جراء الخروج من الاتحاد الأوروبي كبيرا، وبشكل عام، نجد أن “بريكست” تسبب في انخفاض إجمالي صادرات المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 12%، وإجمالي وارداتها منه بنحو 16%.
ونظرا لأن التجارة تعد محركا رئيسيا للإنتاجية، فإن هذه الخسائر أدت إلى تراجع الدخل القومي للمملكة المتحدة؛ وذلك من خلال تقليص مبيعات التصدير، وجعل الواردات أكثر ندرة، وإضعاف الضغوط التنافسية التي تدفع عجلة نمو الإنتاجية.
وانخفضت صادرات السلع إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 16% عما كانت ستكون عليه لو بقيت المملكة المتحدة عضوا في الاتحاد، بينما تراجعت واردات السلع بنسبة 14%. كما كانت الخسائر كبيرة في قطاعات الخدمات؛ إذ انخفضت صادرات الخدمات إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 7%، في حين تراجعت واردات الخدمات منه بنسبة 19%.
تقديرات “مركز الإصلاح الأوروبي” للخسائر أكبر من تلك التي توصلت إليها دراسات أخرى قارنت اتجاهات تجارة المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي وبقية العالم خلال فترة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).
فقد سارت الصادرات والواردات مع الاتحاد الأوروبي بشكل مواز تقريبا لحركة التجارة مع بقية العالم، على الرغم من فرض حواجز تجارية جديدة مع الاتحاد الأوروبي دون غيره من الشركاء التجاريين.
ماذا عن الفارق الإيجابي الذي حدث لدى أوروبا بعيدا عن بريطانيا؟
غير أن هذا النهج يغفل جانبا مهما من الصورة؛ إذ لا يأخذ في الحسبان نمو التجارة داخل الاتحاد الأوروبي منذ خروج بريطانيا. فقد شهدت التدفقات التجارية داخل الاتحاد الأوروبي ارتفاعا بين عامي 2022 و2024، مدفوعة بإنفاق المستهلكين لمدخراتهم التي تراكمت خلال فترات الإغلاق، وقيام الشركات بتحديث آلاتها ومعداتها.
وتتمثل الفرضية الأساسية في أنه لو ظلت المملكة المتحدة عضوا في الاتحاد، لكانت تجارتها مع التكتل قد استفادت أيضا من هذا النمو في الطلب الداخلي بين دول الاتحاد.
وبشكل عام، تترجم هذه الخسائر إلى انخفاض في إجمالي صادرات بريطانيا العالمية بنسبة 5%، ووارداتها بنسبة 8%.
وتشير الدراسات التي تستخدم “أساليب التحكم الاصطناعي” من خلال بناء نموذج محاكي أو “نسخة موازية” للمملكة المتحدة إلى آثار أكبر على تجارة السلع، حيث تتراوح الخسائر بين 10% و15% من إجمالي الصادرات والواردات.
وتُقدِّر هذه الدراسات الخسائر التجارية من خلال مقارنة أداء تجارة المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي مع مجموعة مرجعية من الدول التي كانت اتجاهاتها التجارية قبل الخروج مشابهة إلى حد كبير لاتجاهات المملكة المتحدة.
أما تقديرات “مركز الإصلاح الأوروبي” فتركز تحديدا على التكاليف التجارية الناجمة عن الحواجز المرتفعة التي فُرضت إثر الخروج من السوق الموحد والاتحاد الجمركي، ويخلص إلى وجود آثار أقل حدة على تجارة السلع، مقابل آثار أكبر على قطاع الخدمات.
وتتفق كلتا المقاربتين مع التقديرات التي تشير إلى أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي أدى إلى انخفاض ناتجها المحلي الإجمالي بنسب تتراوح بين 4% إلى 5%، أو ما بين 6% إلى 8%.
هل أثر الخروج من السوق الموحد على اقتصاد بريطانيا؟
التقرير فصل بين الآثار المترتبة على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست) نتيجة مغادرة السوق الموحد، وتلك الناجمة عن مغادرة الاتحاد الجمركي.
فـ”اتفاقية التجارة والتعاون” التي تنظم العلاقات التجارية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ يناير/كانون الثاني 2021 تنص على تجارة السلع “دون تعريفات جمركية ودون حصص كمية”؛ لكن هذا لا يعني، في الواقع العملي اليومي، غياب التعريفات الجمركية تماما عن التبادل التجاري بين الطرفين.
إذ لا تزال التعريفات تُفرض على السلع التي لا تستوفي متطلبات “قواعد المنشأ”؛ وهي المعايير التي تحدد ما إذا كانت السلع تحتوي على نسبة كافية من المكونات البريطانية أو الأوروبية لتأهيلها للإعفاء من الرسوم الجمركية بموجب الاتفاقية.
ولو كان هناك اتحاد جمركي، لتم إلغاء هذه التكاليف. إلا أن هناك عوائق أخرى غير جمركية أكبر بكثير، مثل تباين المعايير التنظيمية، واختلاف قواعد اعتماد المنتجات، وعمليات التفتيش على الحدود، والقيود الجديدة على تجارة الخدمات؛ وهي مشكلات لا يمكن معالجتها إلا من خلال العودة إلى السوق الموحدة.
كانت تكاليف الخروج من الاتحاد الجمركي التي تؤثر على تجارة السلع أقل من تكاليف الخروج من السوق الموحد. فعلى صعيد تجارة السلع ككل، أدى الخروج من الاتحاد الجمركي إلى انخفاض صادرات المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 4%، وانخفاض وارداتها منه بنسبة 1%.
ويشير هذا إلى أن المصدّرين البريطانيين إلى الاتحاد الأوروبي واجهوا عوائق جمركية أكبر بكثير من تلك التي واجهها المصدّرون الأوروبيون إلى المملكة المتحدة. وقد يعود ذلك إلى عدة أسباب؛ منها أن الحكومة البريطانية عمدت مرارا إلى تأجيل أو تقليص إجراءات الرقابة الحدودية لضمان استمرار تدفق الواردات.
فيما يتعلق بتجارة السلع ككل، أدى الخروج من الاتحاد الجمركي إلى انخفاض صادرات المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 4%، وانخفاض وارداتها منه بنسبة 1%.
وتشير التقديرات إلى أن قرار مغادرة السوق الموحد كان المسؤول عن الجزء الأكبر من تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) على التجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد كان للتكاليف التنظيمية المرتبطة بـ”بريكست” مثل إجراءات الشهادات الجديدة وعمليات التحقق من الامتثال لمعايير الاتحاد الأوروبي تأثير أكبر بكثير على التجارة بين الطرفين مقارنة بالحواجز الجمركية.
ما هي القطاعات التي تحملت خسائر أكبر؟
فيما يتعلق بواردات السلع من الاتحاد الأوروبي، سُجّلت أكبر الخسائر التقديرية في قطاعي الكيماويات والمستحضرات الصيدلانية (بانخفاض بلغ نحو 24%)، وقطاع الآلات (بانخفاض 26%)، بينما انخفضت واردات المركبات بنسبة 10%.
أما بالنسبة لصادرات السلع إلى الاتحاد الأوروبي، فقد جاء قطاع الأغذية الزراعية في صدارة القطاعات التي شهدت تراجعا (بنسبة 29%)، يليه قطاع الكيماويات والمستحضرات الصيدلانية (بنسبة 21%).
أما فيما يخص الخدمات، فتبدو الصورة أكثر تباينا، ففي قطاع صادرات الخدمات، كانت أكثر القطاعات تضررا هي السفر (بانخفاض 39%) والنقل (بانخفاض 21%)، وهو ما يعكس تراجعا في رحلات العمل والسياحة والخدمات اللوجستية، كما انخفضت الخدمات المالية بنسبة 24%.
أما تأثير الخروج من الاتحاد الجمركي فيتفاوت بشكل كبير بين القطاعات، إذ يبلغ أقصى مداه في قطاع الآلات، حيث يفسر نحو نصف الخسائر في الواردات.
ويعود ذلك إلى اعتماد الشركات المصنعة في هذا القطاع بشكل كبير على مكونات مستوردة من خارج كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
كما يُعد تأثير الخروج من الاتحاد الجمركي ملموسا أيضا في قطاعات المنتجات الخشبية، والمنسوجات، والأحذية، والأغذية المُصنّعة.
وفقا لـ”مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني”، من المتوقع أن تنخفض الصادرات والواردات على المدى الطويل بنحو 15% مقارنة بما كان سيكون عليه الحال لو بقيت المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي.
ماذا عن تأثير الاتفاقيات الخارجية على اقتصاد بريطانيا؟
من غير المرجح أن يكون للاتفاقيات التجارية الجديدة مع دول خارج الاتحاد الأوروبي تأثير جوهري.
ويعود ذلك إلى أن الاتفاقيات المُبرمة حتى الآن إما أنها تكرر أو “تنقل” اتفاقيات كانت المملكة المتحدة تستفيد منها بالفعل بصفتها عضوا في الاتحاد الأوروبي، أو أنها اتفاقيات لا يُتوقع أن يكون لها تأثير ملموس.
ومن أمثلة النوع الأول “اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة” بين المملكة المتحدة واليابان – التي تحاكي إلى حد كبير الاتفاقية التي وقعتها اليابان مع الاتحاد الأوروبي في عام 2019 – حيث يشير تقييم الأثر الاقتصادي الذي أجرته الحكومة إلى أنها ستؤدي إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة 0.1% على مدى السنوات الخمس عشرة القادمة.
ويستند هذا التقدير إلى مقارنة الوضع بافتراض عدم وجود اتفاقية تجارية مع اليابان، في حين كانت المملكة المتحدة ستكون طرفاً في الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي واليابان لو لم تغادر الاتحاد.
أما النوع الثاني، فيتمثل في اتفاقية التجارة الحرة مع أستراليا، وهي أول اتفاقية تُبرم مع دولة لا ترتبط باتفاقية مماثلة مع الاتحاد الأوروبي. ووفقاً لتقديرات الحكومة، سيؤدي ذلك إلى رفع الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة 0.1% على مدى 15 عاما
هل تعرض الاقتصاد البريطاني لصدمة فعلا؟
تزامنت الصدمة الاقتصادية والمالية المرتبطة بانتهاء الفترة الانتقالية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) مع فترة كانت البلاد لا تزال تتعامل فيها مع تداعيات الجائحة. ويضاف إلى ذلك حالة الركود في الإنتاجية التي لوحظت منذ الأزمة المالية العالمية، فضلاً عن تأثير الحرب الروسية في أوكرانيا في الآونة الأخيرة. وتعني هذه العوامل أنه سيكون من الصعب للغاية، من الناحية العملية، عزل أثر علاقة التبادل التجاري الجديدة مع الاتحاد الأوروبي عن غيرها من العوامل المؤثرة على التوقعات الاقتصادية والمالية على المدى المتوسط.
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أدى إلى تغيير هيكلي طويل الأمد في الاقتصاد البريطاني، ما أثر على مجالات مثل التجارة والاستثمار والهجرة. وهو ما يؤكده بنك إنجلترا الذي أوضح أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي أثر سلبا على الإنتاجية من خلال تقليص حجم التجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.






















