«إذا توقفت الصين فقدنا البصر».. مأزق مسيرات أوكرانيا

2026/10/15م

(عاد/ موسكو) متابعات:

على مدار أكثر من 4 سنوات من حرب أوكرانيا كانت المسيرات السلاح الأكثر أهمية بالنسبة لكييف وموسكو.

لكن هذا العامل “المضاعف للقوة” التكنولوجية يحمل في طياته نقطة ضعف مقلقة، في ظل اعتماد مصنعي المسيرات الأوكرانيين بشكل كبير على إلكترونيات صينية الصنع.

وبينما «تنظر أوكرانيا إلى بكين باعتبارها حليفاً رئيسياً لروسيا، فإنها تخشى أن تعمل الحكومة الصينية على تقييد وصولها إلى هذه المكونات الحيوية، كما تخشى أن تحظى شركات الدفاع الروسية التي تحتاج إلى الإمدادات ذاتها بمعاملة تفضيلية من قبل المصانع الصينية»، وفقا لما ذكرته وكالة “أسوشيتد برس”.

وعلى مدى العامين الماضيين، سعت أوكرانيا إلى التحرر من اعتمادها على الصين من خلال توسيع نطاق التصنيع المحلي، واستيراد المزيد من الإمدادات من تايوان وأوروبا والولايات المتحدة مما ساهم في تقليل حاجتها إلى المحركات الكهربائية وأجهزة التحكم في الطيران وغيرها من المكونات صينية الصنع.

ومع ذلك، لا تستطيع أوكرانيا الانفصال تماماً عن الصين؛ نظراً لأن الموردين من الدول الحليفة لا يمكنهم مضاهاة الصين من حيث انخفاض التكاليف والقدرة الإنتاجية الهائلة.

وقال أندري تاغانسكي، وهو مسؤول تنفيذي في شركة “أود سيستمز” الأوكرانية لتصنيع الأسلحة والتي تطور كاميرات للمسيرات “إذا توقفت الصين عن تزويدنا بمنتجاتها… فسنصبح كمن فقد بصره.. هذا هو الجزء الأكثر رعباً”.

وشددت الصين، خلال السنوات القليلة الماضية، قيودها على تصدير المسيرات والمعدات المرتبطة بها وبررت ذلك بمخاوف تتعلق بإطالة أمد الحرب في أوكرانيا.

ورغم أن هذه القيود لم تمنع تدفق المكونات الصينية إلى أوكرانيا تماماً، إلا أنها تسببت في تأخير الإمدادات ورفع التكاليف، مما دفع الشركات الأوكرانية إلى اللجوء لوسطاء في دول ثالثة.

وقال روبرت تالوست، الباحث في مركز أبحاث “روسي” إن الصين “تمتلك أوراق ضغط ويمكنها توجيه المزيد من المواد إلى روسيا، بينما تفرض قيوداً على الإمدادات المتجهة إلى الغرب”.

الصين ترد
من جانبها، صرحت وزارة الخارجية الصينية بأن بكين تتبنى نهجاً “حكيماً ومسؤولاً” تجاه الصادرات العسكرية وأكدت أنها تعارض استخدام المسيرات المدنية لأغراض عسكرية، ودعت جميع الأطراف إلى التوصل إلى تسوية سياسية للحرب.

واكتسبت أوكرانيا اعترافاً عالمياً بفضل صناعتها المتطورة للمسيرات حيث تقوم بتصميم وتجميع أنظمة غيرت طبيعة الحروب الحديثة ومع ذلك، فإن العديد من المواد والمكونات الداخلة في تصنيع هذه الطائرات لا يمكن توفيرها محلياً في المستقبل القريب.

وذكر نحو 12 مصنعاً أوكرانياً أن المكونات مثل المغناطيسات، والمحركات، والرقائق الإلكترونية، والمستشعرات الحرارية، وخلايا البطاريات، وغيرها لا تزال تأتي في معظمها من الصين.

وقال أولكسندر ياكوفينكو، من شركة “تي إيه إف إندستريز” الدفاعية الأوكرانية الكبرى إن التحول الكامل نحو بدائل غربية قد يؤدي إلى زيادة التكاليف بنسبة تصل إلى 60%، مع انخفاض مماثل في حجم الإنتاج وهو ما اعتبره وغيره من المسؤولين التنفيذيين خياراً غير عملي.

خطوات التحول
ومع ذلك، بدأ المصنعون الأوكرانيون للمسيرات في تقليل اعتمادهم على الصين فقبل ثلاث سنوات، كانت شركة “فيريي” تعتمد على بكين في توفير نحو 90% من مكونات مسيراتها الهجومية وقال مؤسسها أوليكسي بابينكو، “اليوم، يتم تصنيع ما بين 70% إلى 80% من مكوناتنا داخل أوكرانيا”.

ويوفر هذا الاعتماد المتزايد على الذات ميزة إضافية في خضم الحرب حيث يمكن إعادة تصميم المسيرات ومكوناتها المصنعة محلياً في غضون أيام لتلبية الاحتياجات العاجلة في ساحة المعركة، بينما قد تستغرق التغييرات المماثلة شهوراً لتصل عبر سلاسل التوريد الأجنبية، وفقاً لأرتور سافتشي، المحلل في مركز “سيربنس” ومقره كييف.

وفي مطلع عام 2024، كان ما يقرب من 90% من قطع غيار المسيرات التي تستوردها أوكرانيا تأتي مباشرة من الصين. وبحسب بيانات الجمارك الأوكرانية، انخفضت هذه النسبة إلى 28% فقط في 2026 إلا أن الواردات القادمة من دول أخرى مثل بولندا والتشيك مصنعة على الأرجح في الصين.

وفي حين تستطيع أوكرانيا تجميع البطاريات، إلا أنها تظل مضطرة لاستيراد الخلايا المكونة لها كما تتطلب المحركات مغناطيسات ونحاساً مستورداً ورغم قدرة كييف على تصنيع بعض المكونات الإلكترونية، إلا أن الشركات الصينية قادرة على إنتاجها بنطاق أوسع بكثير وبتكلفة تعادل نصف التكلفة تقريباً.

كما أشار المصنعون إلى مكونات مثل العدسات وأجهزة استشعار الأشعة تحت الحمراء للكاميرات الحرارية لا يمكن تصنيعها محلياً وتعد مادة “الجرمانيوم” إحدى المواد الخام الأساسية في هذا المجال؛ وهي عنصر يتوفر بكثرة في الصين، مما يجعل العدسات الصينية أرخص بكثير من نظيراتها الأوروبية.

وذكر تاغانسكي أن أوكرانيا قد تتمكن من تصنيع كاميرات حرارية باستخدام مكونات أوروبية، لكن القدرة الإنتاجية والتكلفة تعيقان ذلك الأمر إذ تنتج أوروبا نحو 600 ألف مستشعر حراري سنوياً، بينما تُقدر احتياجات أوكرانيا بنحو 4 ملايين مستشعر.

ويؤكد الخبراء أن اعتماد روسيا على الصين يفوق اعتماد أوكرانيا عليها بسبب العقوبات الغربية التي تقيد وصول موسكو إلى أسواق أخرى.

وتتمتع موسكو بأفضلية في علاقتها مع بكين، فبحسب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي فـ”إنهم يقفون إلى جانب روسيا نوعاً ما” وأوضح أنهم “لا يزودونها بالأسلحة بشكل مباشر، لكنهم يبدون انفتاحاً أكبر تجاهها، واستعداداً أكبر لمساعدتها مقارنة بمساعدتنا.. وبالنسبة لدولة بحجم الصين، فإن كلمة (نوعاً ما) تعني الكثير”.

وينطوي تنافس أوكرانيا مع روسيا على كسب اهتمام المصانع الصينية على مخاطرة أخرى، وهي كشف احتياجات كييف.

ومنذ 2023، شددت بكين قيود التصدير على المسيرات ومكوناتها مما حرم الشركات الأوكرانية من شراء بعض المسيرات المدنية بعيدة المدى، والمحركات، والكاميرات، ومعدات التصوير بالأشعة تحت الحمراء مباشرة من الشركات الصينية.

ودفعت هذه القيود التي زادت صرامةً خلال الصيف الماضي شركات الدفاع الأوكرانية إلى التكيف من خلال الاستعانة بوسطاء في دول ثالثة مما أدى إلى اضطرابات في الإمدادات وتكاليف أعلى.

وقال مسؤول تنفيذي في مجال المسيرات إن الشركات تلجأ أيضاً إلى الالتفاف على قيود التصدير من خلال تغيير أوصاف المنتجات في الوثائق الرسمية.

ويرى جوزيف ويبستر، وهو باحث أول في “المجلس الأطلسي” أن استعداد المصانع الصينية للتعامل مع المشترين الأوكرانيين، وسهولة توجيه البضائع عبر دول ثالثة، يجعلان من الصعب وقف هذا التبادل التجاري.

وقال صامويل بينديت، المحلل المتخصص في الروبوتات العسكرية “لن يزول هذا الاعتماد في ظل حرب يستهلك فيها الطرفان المعدات بوتيرة مرعبة”.

اضف تعليقك