تقرير: الحوثيون يختبرون صبر الحكومة اليمنية

2026/08/28م

(عاد/ فرنسا) متابعات:

يختبر الحوثيون صبر الحكومة اليمنية مع تصعيد عسكري لافت خلال الساعات الأخيرة، شمل إطلاق صواريخ باليستية واستهداف منشآت ومناطق مدنية على الساحل الغربي، بالتزامن مع محاولة شن هجوم بزوارق في البحر الأحمر وضبط شحنة يُعتقد أنها كانت في طريقها إلى الجماعة.

ويأتي هذا التصعيد في وقت لا يزال فيه اليمن يعيش هدنة هشة منذ سنوات، فيما تتفاقم أزماته الإنسانية والاقتصادية، ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب بين الرد على الهجمات والحفاظ على مسار التهدئة ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وأعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية أن الحوثيين استهدفوا قرية مكتظة بالسكان شمال مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة بصاروخ باليستي، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تشهدها جبهات عدة منذ مطلع يوليو الماضي.

كما أعلنت القوات البحرية إحباط هجوم للحوثيين بعدما رصدت خمسة زوارق تابعة للجماعة حاولت الاقتراب من جزر مطلة على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قبل أن تشتبك معها وتجبرها على الانسحاب شمالاً باتجاه سواحل الحديدة، فيما جرى إسقاط مسيّرة حوثية كانت تقوم بعملية استطلاع للزوارق.

وفي تطور آخر، أعلنت البحرية اليمنية ضبط سفينة صغيرة في البحر الأحمر تحمل معدات تستخدم في صناعة الطائرات المسيّرة، وقالت السلطات إن الشحنة كانت مهرّبة من الحرس الثوري الإيراني وفي طريقها إلى الحوثيين.

ورغم عدم صدور تعليق فوري من الجماعة أو إيران، فإن الإعلان يسلط الضوء مجدداً على قضية تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الحوثيين، وهي مسألة تمثل أحد أبرز مصادر التوتر بين الحكومة اليمنية والجماعة.

ولم تقتصر الهجمات على الخوخة، إذ أفادت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية بأن الحوثيين استهدفوا ميناء المخا في محافظة تعز بثلاثة صواريخ باليستية، بينما سقط صاروخ رابع داخل مدينة الخوخة.

وقال مصدر عسكري إن الصواريخ أُطلقت من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين، معتبراً أن استهداف ميناء المخا يأتي ضمن نمط متكرر من الهجمات التي طالت المنشآت المدنية ومرافق الساحل الغربي.

ويمثل ميناء المخا هدفاً بالغ الحساسية بالنسبة للحكومة اليمنية، نظراً إلى دوره في النشاط التجاري والاقتصادي في المناطق الواقعة خارج سيطرة الحوثيين.

وقد أدت الهجمات السابقة إلى تعطيل الميناء وتوقف العمل فيه وتكبده خسائر مالية، الأمر الذي يجعل استمرار استهدافه عاملاً إضافياً في الضغط على اقتصاد المناطق الحكومية، في وقت يعاني فيه اليمن أصلاً من أزمة اقتصادية حادة.

وتزامن التصعيد العسكري مع تحرك حكومي يستهدف مصادر تمويل وتسليح الحوثيين، إذ وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإغلاق أي منفذ أو ميناء يعمل خارج الأطر القانونية، ضمن إجراءات تستهدف مكافحة التهريب ومنع وصول الأسلحة والمعدات إلى الجماعة.

وأكد العليمي أن الحكومة لن تتساهل مع شبكات التهريب، في رسالة توحي بأن معركة الحكومة لا تقتصر على خطوط الجبهة، وإنما تمتد إلى الموانئ والمنافذ ومسارات التمويل.

وتكشف هذه التطورات عن مسارين متوازيين؛ فمن جهة، تحاول الحكومة اليمنية تشديد الرقابة على المنافذ البحرية والبرية وقطع قنوات التسليح والتمويل، ومن جهة أخرى، يواصل الحوثيون الضغط عسكرياً على المناطق الخاضعة للحكومة، بما في ذلك مواقع مدنية ومرافق اقتصادية.

ويضع ذلك الحكومة أمام معادلة معقدة، إذ إن الرد العسكري القوي قد يحمل خطر انهيار التهدئة النسبية، بينما قد يُفسر ضبط النفس المفرط باعتباره فرصة للحوثيين لتوسيع عملياتهم.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية أكبر بالنظر إلى طبيعة الوضع اليمني. فمنذ أبريل 2022، شهدت البلاد انخفاضاً نسبياً في حدة العمليات العسكرية مقارنة بالسنوات الأولى من الحرب، رغم عدم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

ولا يزال الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة من شمال وغرب البلاد، بينما تسيطر الحكومة والقوى المتحالفة معها على مناطق أخرى، ما يجعل أي تصعيد محدود قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع إذا فشلت الأطراف في احتوائه.

الحوثيون يختبرون صبر الحكومة اليمنية وقدرتها على حماية مناطق سيطرتها من دون الانجرار إلى حرب شاملة، بينما تظل كلفة أي تصعيد جديد ثقيلة على بلد لم يتعافَ بعد من سنوات الحرب والانقسام.

كما أن البعد البحري يرفع مستوى المخاطر. فمحاولة استخدام الزوارق لاستهداف مواقع مرتبطة بالملاحة الدولية، إلى جانب استمرار التوتر في البحر الأحمر، تعني أن التصعيد الحوثي لا يقتصر على الصراع الداخلي اليمني، بل يمكن أن تكون له تداعيات على حركة التجارة الدولية وأمن الملاحة.

ويمنح ذلك الجماعة ورقة ضغط إضافية، لكنه في الوقت نفسه يعرّضها لضغوط إقليمية ودولية متزايدة.

وفي المقابل، تبدو الحكومة اليمنية حريصة على عدم منح التصعيد الحوثي فرصة لجر البلاد إلى حرب شاملة من جديد، خصوصاً أن القدرات العسكرية والاقتصادية للدولة لا تزال محدودة، وأن المجتمع اليمني يتحمل منذ سنوات كلفة الصراع.

ولذلك، قد تفضل الحكومة الجمع بين الضغط الأمني على خطوط التهريب والتحرك السياسي والدبلوماسي، مع إبقاء خيار الرد العسكري قائماً إذا استمرت الهجمات.

ويشير توقيت التصعيد كذلك إلى أن الحوثيين يحاولون اختبار حدود قدرة الحكومة على الرد، ومدى استعدادها لتحويل مبدأ حصر السلاح ومكافحة التهريب إلى إجراءات عملية.

وكلما نجحت الجماعة في تنفيذ هجمات على مواقع حكومية أو مدنية من دون رد كبير، زادت قدرتها على فرض معادلة ردع خاصة بها. وفي المقابل، فإن رد حكومي واسع قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من القتال يصعب تحديد سقفها.

ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة اليمنية لا يتعلق فقط بكيفية الرد على الصواريخ والزوارق، وإنما بقدرتها على منع التصعيد من التحول إلى مسار دائم.

ويحتاج ذلك إلى تعزيز السيطرة على المنافذ والمياه الإقليمية، وتجفيف شبكات التهريب، ودعم القوات الحكومية، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات سياسية يمكن من خلالها احتواء التوتر.

وبينما تتواصل الهجمات على جبهات تعز والحديدة ومأرب، يبدو اليمن أمام مرحلة دقيقة قد تحدد ما إذا كان التصعيد الحالي سيبقى في حدود الرسائل العسكرية المتبادلة، أم يتحول إلى بداية انهيار جديد للتهدئة.

وفي الحالتين، فإن الحوثيين يختبرون صبر الحكومة اليمنية وقدرتها على حماية مناطق سيطرتها من دون الانجرار إلى حرب شاملة، بينما تظل كلفة أي تصعيد جديد ثقيلة على بلد لم يتعافَ بعد من سنوات الحرب والانقسام.

اضف تعليقك